ارتفاع ملحوظ في معدلات الانتحار بين الأحداث في العراق
بغداد – رغم أن الحكومة العراقية أطلقت منذ سنوات الإستراتيجية الوطنية للوقاية من الانتحار، والتي تهدف إلى نشر الوعي وتفعيل خطوط ساخنة للمساعدة النفسية، إلا أن أغلب المحافظات العراقية باتت تسجل ارتفاعا ملحوظا في معدلات الانتحار، خصوصا بين الأحداث.
ويؤكد مراقبون أن هذه الإجراءات لا تزال حبراً على ورق أمام حجم الأزمة، حيث تفتقر المستشفيات الحكومية إلى وحدات تخصصية كافية للطب النفسي، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية التي تلاحق من يزور الطبيب النفسي.
وكشف مصدر أمني في محافظة ديالى، الثلاثاء، تسجيل المحافظة 38 حالة انتحار منذ مطلع العام الجاري 2026 حتى بداية شهر يوليو الحالي.
وقال المصدر، لوكالة أنباء عراقية خاصة، إن “حالات الانتحار توزعت بين رجال ونساء، وكان عدد من الضحايا من طلبة المدارس”.
وكان مكتب مفوضية حقوق الإنسان في محافظة ديالى قد كشف، قبل أشهر، عن ارتفاع معدلات الانتحار بين الأحداث في المحافظة.
غياب القوانين الرادعة لتعنيف النساء والأطفال، والضغوط العائلية القاسية، يجعلان من الانتحار وسيلة أخيرة للاحتجاج أو الهروب من واقع أليم.
وقال مدير المكتب صلاح مهدي إن “محافظة ديالى تشهد منذ العام الماضي حتى الآن ارتفاعا ملحوظا في معدلات الانتحار بين الأحداث”، مشيرا إلى تسجيل حالات لأعمار تراوحت بين 9 سنوات و16 عاما.
وأضاف، لوكالة أنباء عراقية خاصة، أن عدد الأحداث الذين أنهوا حياتهم يُقدَّر بنحو 15 ضحية، واصفا ذلك بأنه “مؤشر خطير” يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لدراسة هذه الحالات ووضع حلول للحد منها.
ولم تعد أخبار الانتحار في العراق مجرد حوادث عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة يومية تتصدر نشرات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، ومنها الفاجعة التي هزت محافظة النجف الأشرف، في فبراير الماضي، بإقدام شاب على قتل والده الأستاذ الجامعي ثم إنهاء حياته.
وتشير البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية ومجلس القضاء الأعلى، بالإضافة إلى منظمات حقوق الإنسان، إلى منحنى بياني آخذ في الارتفاع. فبعد أن كانت حالات الانتحار تُسجل بالعشرات سنوياً قبل عقدين، باتت الآن تتجاوز حاجز الـ700 إلى ألف حالة مسجلة رسمياً كل عام، مع وجود عشرات الحالات الأخرى التي يتم التكتم عليها من قبل الأهالي لدوافع دينية واجتماعية، حيث تُسجل كحوادث قضاء وقدر أو حروق منزلية.
وتتنوع أساليب الانتحار بين إطلاق النار والشنق وتناول العقاقير الطبية، فيما تختلف الدوافع والأسباب بين المشكلات النفسية والأزمات المالية والضغوط الاقتصادية والمعيشية.
وتتولى الأجهزة الأمنية فتح تحقيقات في بعض الحوادث لكشف ملابساتها، والتأكد مما إذا كانت جرائم جنائية جرى إخفاؤها على أنها حالات انتحار، وقد كشفت التحقيقات في إحدى تلك الحوادث، التي وقعت في أطراف مدينة بعقوبة قبل أشهر، عن قيام رجل بقتل زوجته ثم ادعى أنها انتحرت، قبل أن يتم اعتقاله واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.
ويرى خبراء الاجتماع وعلم النفس أن الانتحار في العراق ليس نتاج سبب واحد، بل هو صرخة ناتجة عن تراكمات معقدة.
وتأتي البطالة والفقر في مقدمة الأسباب؛ فانسداد الأفق أمام الشباب والخريجين، وصعوبة تأمين لقمة العيش أو بناء مستقبل مستقر، يولدان حالة من “الاغتراب النفسي” واليأس المطلق.
كما يبرز الابتزاز الإلكتروني بشكل مرعب كأحد أهم الأسباب في السنوات الخمس الأخيرة، خصوصاً بين الفتيات والنساء. فالتهديد بنشر صور أو معلومات خاصة في مجتمع محافظ يؤدي بالكثيرات إلى اختيار الموت هربا من الفضيحة.
الإستراتيجية الحكومية لمجابهة هذه الظاهرة لا تخرج عن كونها دعاية حكومية ومحاولة لفعل شيء ما دون أي أثر واضح لها على أرض الواقع
ويؤكد متخصصون وجود رابط وثيق بين تعاطي المخدرات (وخاصة مادة الكريستال) وحالات الانتحار. فالمتعاطي يعاني من اضطرابات عقلية حادة وفقدان للسيطرة على الدوافع الانتحارية خلال فترة الانسحاب أو الهلوسة.
كما أن غياب القوانين الرادعة لتعنيف النساء والأطفال، والضغوط العائلية القاسية، يجعلان من الانتحار وسيلة أخيرة للاحتجاج أو الهروب من واقع أليم.
ويعاني المجتمع العراقي من “اضطراب ما بعد الصدمة” نتيجة توالي الحروب، حيث أن غياب مراكز التأهيل النفسي المجانية يجعل المريض يواجه صراعاته الداخلية وحيداً.
وتثبت الإحصائيات أن فئة الشباب (15 – 30 عاماً) هي الأكثر إقداماً على الانتحار، تليها النساء. أما الطرق المتبعة فتتراوح بين “الشنق” وهي الأكثر شيوعاً، و”إطلاق النار”، و”الحرق”، فيما تبرز حوادث القفز من الجسور (خاصة في بغداد) كظاهرة مأساوية متكررة.
وفي محاولة للحد من الانتحار ومعالجة أسبابه، تبنت الحكومة العراقية في عام 2024 إستراتيجية وطنية للوقاية من الانتحار، حيث أعلن وزير الصحة صالح الحسناوي عن هذه الإستراتيجية، فيما أكد مستشار رئيس الوزراء لشؤون الصحة صالح ضمد تركيز الحكومة على الطب النفسي للذين يعانون من الأمراض النفسية.
وقال الحسناوي إن الإستراتيجية الوطنية تعطي دوراً لكل وزارة وكل قطاع إضافة إلى الجهات غير الحكومية المتمثلة في الإعلام والجهات الدينية والرموز المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني التي يجب أن تتضافر جهودها.
ويرى الباحث مصطفى أحمد أن هذه الإستراتيجية لا تخرج عن كونها دعاية حكومية ومحاولة لفعل شيء ما دون أي أثر واضح لها على أرض الواقع.
وقال إن الإستراتيجية التي أعلن عنها لا يمكن تنفيذها على أرض الواقع، إذ تفتقد لآليات واضحة وعملية، فضلا عن عدم معالجتها للأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى الانتحار، لاسيما الأوضاع الاقتصادية والبطالة والمخدرات وقلة فرص العمل والتباين الطبقي الكبير بين فئات المجتمع، وفق قوله.
وبحسب خبراء، لا تزال وتيرة الانتحار ومعدلاته في تزايد مستمر، خاصة أن الحكومة بدأت تحجم عن الإعلان عن الإحصائيات الرسمية لمعدلات الانتحار.