اختبار الجاهزية: الكويت تؤهل المقبلين على الزواج

هل يحتاج بناء الأسرة الحديثة إلى قدر من التعليم والتدريب مثلما تحتاج المهن والمهارات الأخرى؟
الخميس 2026/09/17
مأسسة التأهيل قبل الزواج

الكويت – لم يعد الزواج في الكويت يُطرح فقط باعتباره انتقالًا اجتماعيًا وقانونيًا من العزوبية إلى تكوين الأسرة، بل بدأت برامج التأهيل تضع ما قبل الزواج في إطار مختلف: مرحلة تحتاج إلى معرفة ومهارات واستعداد نفسي واجتماعي. وتقدم جهات متخصصة، بينها أكاديمية الحياة الزوجية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دورات للمقبلين على الزواج تتناول طبيعة الحياة الزوجية، ومهارات الحوار والتواصل، وإدارة الخلافات، إلى جانب الجوانب النفسية والاجتماعية والشرعية.

ويكشف هذا التوجه عن تغير في النظر إلى مؤسسة الزواج نفسها. فبدل أن يكون التأهيل شأنًا اختياريًا تتركه العائلات لتجاربها وخبراتها، يجري التعامل معه بصورة أكثر مؤسسية، عبر برامج تدريبية واستشارات يقدمها مختصون في الإرشاد الأسري والجوانب النفسية والاجتماعية والشرعية. وتضم خدمات أكاديمية الحياة الزوجية الكويتية، إلى جانب التدريب، الاستشارات الزوجية والمحاضرات والندوات والبحوث والمواد التوعوية المتخصصة.

المفارقة التي تفتحها هذه التجربة أن قرار الزواج غالبًا ما يُتخذ في مساحة عاطفية، بينما الحياة الزوجية تستمر داخل مساحة أكثر تعقيدًا، تحكمها المسؤوليات والإنفاق وتقاسم الأدوار والتواصل مع العائلتين وتربية الأطفال وإدارة الخلافات.

ولهذا تركز برامج التأهيل على مهارات قد لا تكون حاضرة بالضرورة في مرحلة الخطوبة. فالتواصل، على سبيل المثال، لا يتعلق فقط بقدرة الطرفين على التعبير عن مشاعرهما، وإنما بكيفية إدارة الاختلاف عندما تتعارض الرغبات أو تتغير الظروف. وكذلك فإن معرفة الحقوق والواجبات قد تقلل من مساحة التوقعات غير الواقعية التي يمكن أن تتحول بعد الزواج إلى مصادر للنزاع.

وتقدم أكاديمية الحياة الزوجية في الكويت نموذجًا لهذا التوجه؛ فهي لا تقتصر على دورات المقبلين على الزواج، وإنما تقدم أيضًا الاستشارات للأزواج وتعمل على نشر الثقافة الأسرية، فيما تشمل أهدافها المعلنة الوقاية من المشكلات الأسرية والحد من الطلاق وتعزيز الروابط داخل الأسرة.

هل يمكن تدريب المقبلين على الزواج؟

السؤال الأوسع الذي تثيره التجربة الكويتية لا يتعلق بجدوى دورة بعينها، وإنما بحدود تدخل المؤسسات في قرار اجتماعي شديد الخصوصية.

فإذا كان الزواج شراكة طويلة الأمد، فإن تزويد الطرفين بقدر من المعرفة حول التواصل وإدارة الخلافات والحقوق والواجبات قد يبدو امتدادًا طبيعيًا لفكرة الوقاية الاجتماعية. لكن تحويل التدريب إلى شرط سابق للعقد، إن اتجهت التشريعات إلى ذلك، يفتح في المقابل نقاشًا مختلفًا حول مدى قدرة دورة قصيرة على قياس الجاهزية الفعلية لشخصين يقدمان على تأسيس أسرة.

وهذه المسألة ليست نظرية فقط؛ فقد تناولت دراسة فقهية تطبيقية حديثة موضوع اشتراط دورة تأهيلية للمقبلين على الزواج، واتخذت دولة الكويت نموذجًا للدراسة، بما يعكس وجود نقاش علمي حول الأساس الشرعي والقانوني والاجتماعي لمثل هذه الاشتراطات.

برامج تأهيلية تتناول التواصل وإدارة الخلافات والحقوق والواجبات، في تحول ينقل الاستعداد للزواج من شأن عائلي خاص إلى قضية وعي اجتماعي

لكن التدريب لا يستطيع وحده الإجابة عن الأسئلة الأكثر تعقيدًا التي تواجه الزواج. فالاستقرار الأسري يرتبط أيضًا بالظروف الاقتصادية، والسكن، والعمل، وتغير أنماط العلاقات، وتوقعات الرجل والمرأة، وتأثير الأسرة الممتدة، فضلًا عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي تجعل الأدوار داخل الأسرة موضع تفاوض مستمر.

أهمية التجربة الكويتية تكمن لذلك في أنها تنقل النقاش من سؤال «كيف نواجه الطلاق بعد وقوعه؟» إلى سؤال آخر أكثر وقائية: «كيف نُعد المقبلين على الزواج قبل أن تبدأ المشكلات؟».

هذا التحول يظهر أيضًا في طبيعة البرامج التي تقدمها المؤسسات المعنية بالأسرة، إذ لم تعد تكتفي بالنصح العام، بل تدخل في موضوعات محددة مثل الحوار، وإدارة الخلافات، والاستعداد النفسي، وفهم الاختلافات بين الزوجين. وتظهر البرامج المعلنة في الكويت استمرار هذا النشاط التدريبي خلال 2026، بما في ذلك دورات مخصصة للمقبلين على الزواج.

وقد يكون هذا هو الجانب الأكثر دلالة في التجربة: الاعتراف بأن المعرفة الأسرية ليست بالضرورة فطرية، وأن الانتقال إلى الزواج لا يعني تلقائيًا امتلاك الأدوات اللازمة لإدارة علاقة طويلة ومعقدة.

غير أن نجاح الفكرة سيظل مرتبطًا بمحتوى التدريب، وطريقة تقديمه، ومدى اعتماده على المعرفة العلمية والخبرة الأسرية، وقدرته على التعامل مع الواقع بدل الاكتفاء بنصائح عامة. كما أن قياس أثر هذه البرامج يحتاج إلى بيانات طويلة الأجل تقارن بين من تلقوا التدريب ومن لم يتلقوه، بدل افتراض أن حضور الدورة يؤدي تلقائيًا إلى زواج أكثر استقرارًا.

في النهاية، لا تبدو القضية الكويتية مجرد إضافة دورة جديدة إلى قائمة البرامج الحكومية والمجتمعية، وإنما جزءًا من تحول أوسع في النظر إلى الزواج بوصفه مؤسسة تحتاج إلى إعداد، لا مجرد مناسبة تحتاج إلى ترتيبات.

فكلما تغيرت الحياة الاجتماعية، وتعقدت المسؤوليات داخل الأسرة، أصبح السؤال عن «الجاهزية للزواج» أكثر حضورًا. وربما يكون الاختبار الحقيقي لهذه التجربة ليس في عدد الدورات التي تُنظم، وإنما في قدرتها على منح المقبلين على الزواج أدوات عملية تساعدهم على فهم الشراكة التي يدخلونها، وعلى إدارة خلافاتها قبل أن تتحول إلى أزمات.

وبين من يرى في التأهيل وقاية مبكرة للأسرة، ومن قد يتساءل عن حدود تحويله إلى التزام سابق للعقد، تفتح الكويت نقاشًا يتجاوز إجراءات الزواج نفسها: هل يحتاج بناء الأسرة الحديثة إلى قدر من التعليم والتدريب مثلما تحتاج المهن والمهارات الأخرى؟