اختبارات كشف الكذب تفضح أزمة ثقة في البنتاغون

تمثل اختبارات كشف الكذب على نطاق واسع مؤشراً على عمق التحديات التي تواجه الإدارة الأميركية في إدارة حرب معقدة.
الأحد 2026/09/06
خطوة غير مسبوقة

واشنطن- أخضع محققو الحكومة الأميركية نحو 50 عضواً من هيئة الأركان المشتركة، من ضباط عسكريين وموظفين مدنيين، لاختبارات كشف الكذب (البوليغراف) خلال شهر أغسطس 2026. جاءت هذه الاختبارات في إطار تحقيق موسع يهدف إلى كشف مصادر تسريبات إلى الصحفيين، من بينها تفاصيل حساسة عن تراجع مخزونات الذخائر الحيوية خلال الحرب مع إيران.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 4 سبتمبر 2026، سأل المحققون المعنيين عما إذا كانوا قد أفصحوا عن معلومات سرية لأفراد من وسائل الإعلام، وتحديداً ما يتعلق بنقص مخزونات الصواريخ بعيدة المدى وصواريخ باتريوت الاعتراضية. أكدت مصادر مطلعة أن الاختبارات لم تقتصر على تحديد المسؤولين المحتملين عن التسريبات، بل هدفت أيضاً إلى ردع الآخرين عن أي إفصاحات مستقبلية غير مصرح بها.
وأشار التقرير إلى أن هيئة الأركان المشتركة، التي تضم ما بين 1500 و2000 شخص وتلعب دوراً محورياً في تنسيق العمليات والتخطيط الحربي مع القيادات القتالية حول العالم، لم تشهد من قبل مثل هذا النطاق الواسع من الاختبارات على مستويات رفيعة.

أكدت شبكة سي.بي.إس.نيوز التفاصيل نفسها، مشيرة إلى أن الاختبارات شملت أيضاً بعض مسؤولي القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) وقادة في قيادات قتالية أخرى. ووفقاً لمصادرها، لم يرسب أحد في الأسئلة المتعلقة بالتسريبات إلى الإعلام. واستُثني رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين من هذه الاختبارات. أما الناطق باسم البنتاغون شون بارنيل، فقد رفض التعليق على المسائل الداخلية المتعلقة بالموظفين أو التحقيقات، مؤكداً أن الوزارة تأخذ كل تسريبات المعلومات السرية المرتبطة بالأمن القومي بجدية قصوى وتحقق فيها وفق الإجراءات اللازمة، لأن تأمين المعلومات السرية أمر حيوي لأمن الولايات المتحدة وسلامة قواتها المنتشرة حول العالم.
وتأتي هذه الحملة في سياق الحرب الأميركية مع إيران، التي أدت إلى استنزاف سريع لبعض المخزونات المتقدمة. في يوليو وأغسطس 2026، نشرت وسائل إعلام أميركية ودولية تقارير مفصلة عن تراجع مخزونات الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى وصواريخ باتريوت ومنظومات أخرى، مما دفع الإدارة إلى ترشيد استخدامها. نفت إدارة الرئيس دونالد ترامب هذه التقارير بشدة، مؤكدة امتلاكها كميات هائلة من الذخائر، واعتبر ترامب نفسه التقارير "خيانة" في منشور على منصة تروث سوشيال. وأفادت مصادر بأن ترامب كان غاضباً بشدة من التسريبات، خاصة بعد تقارير عن إلغاء هجمات كبرى بسبب المخاوف من نفاد الذخيرة.

يُنظر إلى هذه التسريبات على أنها تمس جوهر الجاهزية العسكرية والاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. فالصواريخ بعيدة المدى والباتريوت ليست مجرد أسلحة، بل تمثل قدرة الردع والدفاع الجوي التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. الكشف عن نقصها قد يؤثر على حسابات الخصوم، ويثير تساؤلات داخل الكونغرس وبين الحلفاء حول استدامة العمليات.

ووصف خبراء عسكريون هذه الخطوة بأنها استثنائية. قال الأدميرال المتقاعد دونالد جيه. غوتر، الذي شغل منصب كبير المستشارين القانونيين للقوات البحرية بين 2000 و2002، إنه لم يرَ من قبل استخدام اختبارات كشف الكذب بهذا الاتساع أو على هذا المستوى الرفيع من الرتب. وعادة ما تُجرى مثل هذه الاختبارات بشكل روتيني لتجديد التصاريح الأمنية، لكن حجمها الجماعي هذه المرة يعكس مستوى القلق داخل الإدارة.

تأتي الحملة ضمن سياق أوسع من جهود إدارة ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث لمكافحة التسريبات. سبق أن هدد هيغسيث بإجراء اختبارات مشابهة في مناسبات سابقة، وخطط البنتاغون سابقاً لفرض اتفاقيات عدم إفصاح واختبارات عشوائية على آلاف الموظفين.
ويرى مراقبون أن الهدف المزدوج – الكشف والردع – يعكس توترات داخلية عميقة بين الحاجة إلى الشفافية في مجتمع ديمقراطي ومتطلبات الأمن القومي في زمن الحرب.من الناحية التحليلية، تثير هذه الإجراءات أسئلة جوهرية حول التوازن بين أمن المعلومات وحرية الصحافة.

والتسريبات غالباً ما تكون مصدراً مهماً للمساءلة العامة، خاصة عندما تتعلق بجاهزية الجيش أو قرارات الحرب. غير أن الكشف عن تفاصيل دقيقة حول المخزونات قد يعرض العمليات للخطر أو يشجع الخصوم.

في الوقت نفسه، فإن الاعتماد الواسع على أجهزة كشف الكذب، التي لا تُعتبر دقيقة بنسبة 100% وتثير جدلاً قانونياً وأخلاقياً، قد يخلق مناخاً من الخوف داخل المؤسسات العسكرية، مما يؤثر على الثقة الداخلية والروح المعنوية.سياسياً، يعكس الأمر حساسية إدارة ترامب تجاه أي رواية تتناقض مع صورتها عن القوة والسيطرة. فالحرب مع إيران تمثل اختباراً كبيراً لسياساتها الخارجية، وأي إشارة إلى ضعف لوجستي تُعامل كتهديد سياسي.

ومع استمرار التحقيقات، من المرجح أن تظل التوترات قائمة بين البنتاغون ووسائل الإعلام، خاصة مع تزايد التقارير عن مجريات الصراع.

تمثل اختبارات كشف الكذب على هذا النطاق مؤشراً على عمق التحديات التي تواجه الإدارة الأميركية في إدارة حرب معقدة. فبينما تسعى لحماية أسرارها العسكرية، فإنها تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية تتطلب توازناً دقيقاً بين السرية والمساءلة. وستحدد الأيام المقبلة ما إذا كانت هذه الحملة ستنجح في وقف التسريبات أم ستعمق الشكوك داخل المؤسسة العسكرية نفسها.