احتفالات "الفاتح" برعاية "فبراير"
لم تعرف مدينة بني وليد الليبية في تاريخها احتفالات بأعياد الفاتح من سبتمبر كتلك التي شهدتها ليلة الإثنين/الثلاثاء، برعاية حكومة الوحدة الوطنية التي أمّنت تلك الاحتفالات، واعتبرتها حقاً مشروعاً للسكان المحليين من أنصار الزعيم الراحل معمر القذافي، في إطار احترام مبادئ ثورة فبراير ومنها حرية التعبير والتنظّم واحترام الرأي الآخر. ربما يبقى الأمل في إقامة نظام ديمقراطي تعددي هو المكسب الوحيد الذي تحقق من انتفاضة 2011 التي أطاحت بواحد من أعتى الأنظمة الشمولية في المنطقة.
سلطات طرابلس والقوى الفاعلة في طرابلس ومدن الساحل الغربي بما فيها مصراتة، احترمت إرادة “الخضر” في التعبير عن حنينهم للنظام الجماهيري، أو عن استمرارهم في الولاء لمنظومته العقائدية التي تجد دعماً أكبر في المناطق الداخلية وبين البدو من أبناء القبائل التي تعتقد أن القذافي كان يعبّر عنها ويتبنى قيمها الثقافية والاجتماعية.
لآخر يوم في حياته، تمسك معمر بهويته البدوية القادمة من أعماق الصحراء، والتي رفضت الانسجام مع التحولات الحضارية الكبرى، وجعلت من الخيمة والناقة واللباس التقليدي رمزاً للدولة لأربعة عقود. اعتبر أنصاره من أبناء الدواخل والقبائل أن الحرب الحقيقية كانت تستهدفهم وتضرب سطوتهم وتحاصر نفوذهم لفائدة فئات أخرى طالما تعرضت للتهميش خلال العهد الجماهيري.
في بني وليد، تحولت احتفالات "الفاتح" إلى مشهد سياسي لافت، حيث اجتمع أنصار القذافي تحت رعاية "فبراير" في محاولة لإظهار التعددية واحترام حرية التعبير
احتفالات أنصار القذافي بالذكرى السابعة والخمسين للحركة العسكرية التي أطاحت بالنظام الملكي الدستوري، والتي اتخذت لاحقاً مفهوم وصفة الثورة بما رسخته من تحولات كبرى في المجتمع يختلف الليبيون حول تقييمها بين مادح وقادح، شهدت هذا العام إشارات لافتة ومثيرة للسجال، من بينها رفع صور خميس، الابن الأصغر للقذافي الملقب بالجنرال الذهبي، والذي كان يتولى قيادة اللواء 32 معزز “القوة الأكثر تدريباً والأكثر تجهيزاً في الجيش الليبي”، ولقي حتفه في 29 آب/أغسطس 2011 نتيجة قصف صاروخي من قبل طيران الناتو، إلى جانب صور محمود حمزة آمر اللواء 444 التابع لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية، والذي يبسط نفوذه على أغلب مناطق غرب البلاد بما فيها مدينة بني وليد. الرسالة التي أراد أصحابها إيصالها إلى من يهمه الأمر أنه من الممكن تقريب المسافات وتوحيد الجهود بين السبتمبريين والفبرايريين طالما هناك اتفاق على احترام إرادة الجماهير وعدم التضييق على “الخضر”.
لوحظ كذلك ارتفاع العديد من الأصوات التي كانت معروفة بعدائها المستطير للنظام السابق وتحريضها ضد رموزه وقياداته وأتباعه، ومنها دار الإفتاء برئاسة صادق الغرياني، داعيةً لاحترام أنصار القذافي والسماح لهم بإحياء ذكرى “الفاتح”، واعتبار ذلك ظاهرة صحية ضمن خيار التعددية المطروح لتيسير الدخول بالبلاد في مصالحة وطنية شاملة، ومؤشراً على إمكانية التلاقي حول مشروع وطني موحّد. الناشطون في كواليس السياسة يعلمون أن الأمر يتعلق أساساً بالرغبة في توحيد جبهة العداء للقيادة العامة للقوات المسلحة بالمنطقة الشرقية. رافعو صور القذافي في بني وليد كانوا يدوسون صورة المشير خليفة حفتر التي ألقوا بها على الأرض تحدياً للتوازنات السياسية والميدانية الحاصلة في البلاد، ولنتائج الجهود الأممية والدولية لحلحلة الأزمة بتحقيق التوافق بين القوى النافذة في بنغازي وطرابلس على تشكيل سلطات تنفيذية جديدة وتوحيد المؤسسات السيادية وإزالة كل العراقيل التي كانت تحول دون تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتعددية يختار من خلالها الليبيون من يرونهم جديرين بقيادة الدولة وتمثيل الشعب.
قبل سنوات، كان هناك من يروّج لانقلاب كبير يمكن أن يحدث على رأس المؤسسة العسكرية ليطيح بالمشير حفتر وكبار مساعديه. أصحاب هذه الفكرة ينتمون عقائدياً إلى النظام السابق، ويستندون في رؤيتهم إلى وجود عدد كبير من قيادات وعناصر جيش ما قبل 2011 وكتائب أبناء القذافي ضمن المؤسسة التي أعاد تشكيلها حفتر من خلال قيادته لمعركة الكرامة التي أطلقها في مايو 2014 لدحر الجماعات التكفيرية والميليشيات الخارجة عن القانون بالمنطقة الشرقية.
كان بعض أنصار النظام السابق في داخل وخارج ليبيا يتحدثون سراً عن تلك اللحظة المنتظرة التي ستنقلب فيها قوات “الشعب المسلح” على قيادة “الرجمة” لتتيح تشكيل الوضع السياسي في البلاد وفق تحولات ميدانية تفسح المجال أمام عودة النظام السابق إلى الحكم. الحقيقة أن الوهم كان يسيطر على أصحاب تلك التصورات العقيمة. كما أن وجود سيف الإسلام القذافي كشخصية محورية تحظى بدعم شعبي مهم بين أبناء القبائل والمناطق الداخلية والطبقات الفقيرة زاد من تفاقم ظاهرة القفز على الواقع وركوب الأوهام دون احترام منطق العقل وأحكام الواقع والاعتبارات الجيوسياسية بما تفرضه من تدخلات خارجية مباشرة لخدمة أجندات ليس فيها ما يتجاوب مع طروحات النظام السابق.
رفع صور خميس وعائشة القذافي مع الدعوات للمصالحة كشف عن رغبة في إعادة دمج "الخضر" ضمن مشروع وطني وتحدي نفوذ حفتر والقيادة العسكرية الشرقية
إذا كانت العلاقة بين قيادة الجيش والناشطين من أنصار سيف الإسلام قد ساءت في وقت ما، فلأن مخابرات “الرجمة” كانت تتلقى تقارير يومية عن خطط التحرك ضد قيادة الجيش بالتعاون مع أطراف تعتبر أن عدوها الأول هو المشير حفتر، وأن الإطاحة به يمكن أن تقرّب المسافات بين الإخوان و”الخضر” ومتمردي الجنوب وغيرهم. لعبت سلطات طرابلس دائماً على هذه الورقة، وخاصة في علاقة بالوضع العام في الجنوب، وكذلك بالواقع الإقليمي الذي لا يمكن تجاوزه، وخاصة فيما يتصل بإقليم فزان وخصوصياته الجيوسياسية والإستراتيجية والتداخلات العرقية والثقافية التي تحدد مساراته السياسية والاجتماعية. في الثاني من شباط/فبراير 2026 أُعلن رسمياً عن اغتيال سيف الإسلام في مقر إقامته بالزنتان، وبعد أقل من شهر أكدت النيابة العامة أنها حددت هويات المتورطين في الجريمة، وتسعى إلى ضبطهم وعرضهم على القضاء. لم يتحقق ذلك ولا يزال القتلة المأجورون ينعمون بالحرية وبالمكافأة التي حصلوا عليها لقاء جريمتهم.
من المؤشرات اللافتة، إقدام بعض أنصار النظام الجماهيري على رفع صورة الدكتورة عائشة القذافي التي قد تكون الأكثر استعداداً لوراثة مشروع والدها وشقيقها، وهو ما يمكن أن تقبل به الجهات الفبرايرية النافذة في غرب البلاد، التي تعتقد أنه من المستحيل إقصاء “الخضر”، وفي نفس الوقت يمكن احتواؤهم ضمن مشروع سياسي قادر على التعايش مع بقية القوى الأخرى، وعلى المساهمة في تقليص نفوذ القوة الأكثر حضوراً وتأثيراً وفاعلية: القيادة العامة للجيش بقيادة حفتر ونجله صدام.