اتفاق “4+4”... وتحديات التفعيل

الذين أعلنوا أنهم غير معنيين بوحدة المؤسسات قبل التوصل إلى تنظيم الانتخابات، إنما يتمسكون برؤيتهم لكيفية الاستمرار في العبث السياسي والضحك على ذقون المجتمع الدولي.
الاثنين 2026/08/31
ماراثون الانتقال السياسي المعطّل

الحدث الليبي هذه الأيام هو التوقيع على الاتفاق الناتج عن الاجتماع المصغر للجنة “4+4″، بما يمثله من تدشين مرحلة جديدة من ماراثون الانتقال السياسي المعطّل في بلد يفترض أن يكون وضعه أفضل بكثير مما هو عليه الآن. النقاط المتفق عليها تطرح مساراً بديلاً عن الاتفاقات السابقة، بما فيها اتفاق الصخيرات الموقع في ديسمبر 2015، لكنها تنذر في الوقت ذاته بتأبيد الأزمة وقطع الطريق أمام “وهم” الأمم المتحدة ومن ورائها المجتمع الدولي بإمكانية جمع التناقضات التنظيمية والسياسية والإيديولوجية والميدانية في بوتقة مشروع وطني موحد للخروج بالبلاد من النفق المظلم الذي دُفعت إليه منذ سنوات.

ينص الاتفاق على اعتماد القانون رقم 28 لسنة 2023 أساساً لإجراء الانتخابات الرئاسية، مع إدخال عدد من التعديلات، أبرزها السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح، مع إلزام الفائز بالتخلي عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، ووضع معالجة قانونية تفضي إلى إعادة الانتخابات في حال تعذر استيفاء هذا الشرط. كما يقترح السماح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية، ناخبين ومرشحين، وفق أطر قانونية وتنظيمية تضمن حياد المؤسسة العسكرية. وتشمل المقترحات أيضاً إلغاء الجولة الثانية الإلزامية في حال حصول أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة، وتحديد عدد التزكيات المطلوبة للترشح للرئاسة بـ20 ألف تزكية من الناخبين المسجلين في مختلف أنحاء ليبيا، إلى جانب مراجعة أحكام الطعون الانتخابية، وفصل نتائج الانتخابات الرئاسية عن الانتخابات التشريعية.

يقترح الاتفاق اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 إطاراً وأساساً لإجرائها، مع منح البرلمان المنتخب صلاحية معالجة قضايا الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده. وينص على السماح للأحزاب السياسية بالمشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية من خلال مرشحين أفراد في مختلف الدوائر الانتخابية. ويتيح عقد جلسات مجلس النواب المنتخب وجلسات السلطة التنفيذية بصورة دورية، وفق ترتيب ثابت بين طرابلس وبنغازي وسبها، مع تحديد مدة لا تتجاوز 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، على أن تجرى في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة. وفي حال تعذر إجراء الانتخابات خلال هذه المدة، ينص الاتفاق على تعاون الأطراف مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا للتوصل إلى آلية تضمن الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.

أي اتفاق ليست له أنياب ولا يستند إلى قوة التنفيذ بإرادة السلطة الحقيقية الفاعلة على الأرض وبدعم مباشر من المجتمع الدولي سيواجه عراقيل بلا حدود

من حق الشارع الليبي أن يسأل: كيف سيكون موقف رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الذي بادر بإعلان رفضه الاتفاق عندما قرر تسمية أعضاء مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والإبقاء على رئيسها عماد السائح، كرد مباشر على قرار الاجتماع المصغر بإعادة تشكيل مجلس المفوضية والتوصية بتعيين ضو إبراهيم الهامي عطية رئيساً للمجلس؟ كيف سيكون موقف دار الإفتاء في غرب البلاد ورئيسها الصادق الغرياني الذي انتقد انخراط حكومة الدبيبة في مخرجات لجنة “4+4” وما انتهت إليه من ترتيبات سياسية، معتبراً ذلك “خيبة أمل”؟ كيف سيكون موقف مجلس الدولة والتيار السياسي المهيمن عليه والرافض لأي وثيقة حل يمكن أن تحقق مطالب ومصالح القيادة العامة وتمنح المشير حفتر وجاهة الوصول إلى زعامة الدولة الموحدة في حال فوزه برئاستها بعد إلغاء كل العراقيل التي يمكن أن تحول دون ذلك؟ وكيف سيكون موقف الميليشيات التي تنظر إلى الحل السياسي وتوحيد المؤسسات كمقبرة لمصالحها وامتيازاتها وإعلان عن نهاية دورها الفوضوي والانتهازي؟

إن ما تم التوصل إليه من خلال الاتفاق لن يكون ذا جدوى ما لم تصدق النوايا وتتحد الجهود لحلحلة الأزمة وتجاوز الخلافات والانطلاق نحو المستقبل برؤية جماعية لليبيا الدولة والمجتمع، الموقع والكيان، الرؤية والمشروع، والنظام والمؤسسات. وهو ما يبدو بعيد المنال على الأقل في الوقت الحالي، نظراً لغياب روح التضحية وتقديم التنازلات من قبل النخبة الحاكمة والمتحكمة في القرار، التي تنظر إلى السلطة على أنها غنيمة حرب لا يمكن التنازل عنها، وترى في استمرارية الوضع الحالي ضماناً لمصالحها والامتيازات التي تحظى بها، لاسيما أن المجتمع الدولي غير مهتم بالخروج من نطاق الانقسام وسياق التردي المعيشي للشعب المنهك، طالما أن القائمين على القرار الرسمي مستعدون لعقد الصفقات السرية والعلنية مع كل من لديه القدرة على خوض منافسة الأجندات وصراع النفوذ في البلد الثري المفتوح على الشمال بكل ما لديه من امتدادات في الجنوب.

إن الذين أعلنوا بوضوح أنهم غير معنيين بوحدة المؤسسات قبل التوصل إلى تنظيم الانتخابات، إنما يتمسكون برؤيتهم لكيفية الاستمرار في العبث السياسي والضحك على ذقون المجتمع الدولي، وهم أكثر الناس إدراكاً أن الانتخابات لن تنتظم ونتائجها لن تُعتمد في ظل الانقسام الحالي، ولن يُترك للشعب مجال يعبر من خلاله عن إرادته الحرة في اختيار قادته وممثليه طالما أن المؤسسة العسكرية والأمنية منقسمة على نفسها، وطالما أن الميليشيات المسلحة لا تزال تشكّل قوة إرهاب لفائدة من يوفرون لها الإسناد المالي والغطاء الشرعي والعقائدي. إن توحيد المؤسسات وخاصة الصلبة منها هو الطريق الأمثل والأنجع لاستعادة مفهوم الدولة وسيادة القانون، ولضمان احترام إرادة الشعب دون تفرقة بين المناطق والجهات أو تمييز بين الفئات والمكونات الثقافية والاجتماعية والتيارات السياسية.

نجاح الاتفاق مرهون بصدق النوايا وتوحيد المؤسسات الصلبة وإرادة دولية داعمة وإلا سيظل حبراً على ورق، ويستمر الانقسام والفساد والنهب في بلد منهك

رئيسة البعثة الأممية والممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، اعتبرت أن التوقيع “ليس نهاية العملية السياسية في ليبيا، بل خطوة مهمة تأخذنا للمرحلة التالية”، ووعدت بأن تواصل العمل مع الأطراف الليبية المعنية لدعم تنفيذ الاتفاق، وتعزيز جهود توحيد مؤسسات الدولة بحيث تتمكن من قيادة البلاد نحو الانتخابات. هي تدرك أن الأمر ليس سهلاً، وأن هناك الكثير من العراقيل والعقبات التي لا تستهدف الاتفاق في حد ذاته بقدر ما تستهدف الحل السياسي الشامل وخارطة الوضع النهائي ووحدة البلاد وسيادة الدولة وتمكين الشعب من حقه في تقرير مصيره وتأمين مقدراته واختيار من يراهم صالحين لقيادة المرحلة القادمة.

وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية بالوحدة المنتهية ولايتها وليد اللافي، كان يدرك جيداً ما يرمي إليه من خلال تأكيده على أن “قيمة الاتفاقات ليست فيما يُكتب منها وإنما فيما يُوفى به، وأن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع لا عند التوقيع نفسه”. ممثل القيادة العامة في الاجتماع المصغر الشيباني أبوهمود، قال إنه “سيكون عملاً غير أخلاقي وغير وطني من أي مسؤول أن يقف في وجه تطلعات الليبيين أو يتلكأ في القيام بما تحتمه عليه المسؤولية الوطنية التي أوكلها إليه الليبيون أنفسهم”. كلماته في الأخير أطلقت حكماً أخلاقياً على حالة سياسية لا تزال تعكس روح العبث والفساد وتنحو منحى الانتهازية والخداع ودوس كل القيم الأخلاقية من أجل البقاء في سدة الحكم بما يوفره من امتيازات، لعل أبرزها وضع اليد على الثروة في بلد يحقق يومياً مداخيل ريعية من تصدير النفط تتراوح ما بين 82 إلى 90 مليون دولار، إلى جانب إيرادات المضاربة والتهريب الرسمي للموارد والطبع الموازي للعملات والنهب الممنهج للاستثمارات الخارجية.

إن أي اتفاق ليست له أنياب، ولا يستند إلى قوة التنفيذ بإرادة السلطة الحقيقية الفاعلة على الأرض وبدعم مباشر من المجتمع الدولي، سيواجه عراقيل بلا حدود من قبل أولئك المستفيدين من استمرارية العبث وديمومة الأزمة، والراكبين صهوة الصراع والانقسام بما يتيح لهم البقاء في مواقعهم إلى أجل غير مسمى.

3