اتفاق مكة يبني مؤسسات بقائه الاستراتيجي
الرياض/اسطنبول - لم يعد اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد إعلان سياسي وُلد في ظرف إقليمي مضطرب. فالخطوات المتسارعة التي أعقبت توقيعه، وصولا إلى الاتفاق على إنشاء أمانة عامة له في السعودية، تكشف أن الدول الثلاث تتحرك في اتجاه أبعد من مجرد تنسيق عسكري مرحلي، نحو بناء بنية مؤسسية لتحالف أمني يراد له أن يستمر ويتطور.
وأعلنت السعودية، الاثنين، اتفاق الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة بموجب اتفاقية مكة للدفاع المشترك، على أن يرأسها في مرحلتها الأولى أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات.
وجاء ذلك بالتزامن مع عقد أول اجتماع للجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية المنبثقة عن الاتفاق في إسطنبول، في خطوة تمثل أول انتقال عملي من مرحلة التوقيع إلى مرحلة التنفيذ.
وقد يبدو إنشاء أمانة عامة تفصيلا إداريا، لكنه في منطق التحالفات يحمل دلالة سياسية واستراتيجية أكبر بكثير. فالتحالفات التي تنشأ لمواجهة أزمة عابرة تكتفي غالبا بالتنسيق بين الحكومات أو بعقد اجتماعات دورية، أما عندما تبدأ الدول المؤسسة في إنشاء أجهزة دائمة وهياكل قيادية وآليات متابعة، فإن ذلك يعني أنها تستعد لما بعد اللحظة التي دفعتها إلى التحالف.
ومن هنا، يمكن قراءة الخطوة الجديدة باعتبارها مؤشرا على أن اتفاق مكة بدأ يتحول من تفاهم بين ثلاث عواصم إلى مؤسسة أمنية ناشئة.
ووقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في السابع من أغسطس/آب، ونص على مبدأ الدفاع الجماعي، باعتبار أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا. وقد قورن الاتفاق من حيث المبدأ بنموذج المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، في إشارة إلى الرغبة في بناء قدرة ردع جماعية تتجاوز الترتيبات الثنائية التقليدية.
لكن الفارق بين الاتفاقات السياسية والمشاريع الاستراتيجية لا يظهر عند التوقيع، بل في ما يحدث بعده.
فبعد أقل من شهر، بدأت الدول الثلاث في بناء آليات التنفيذ عبر اللجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية، قبل الانتقال إلى خطوة إنشاء الأمانة العامة. وهذا التسلسل يوحي بأن الاتفاق لم يكن يراد له أن يبقى إطارا رمزيا أو بيانا سياسيا، بل أن يتحول تدريجيا إلى منظومة لها إدارة وآليات تنسيق ومتابعة.
وهنا تكمن أهمية الأمانة العامة. فهي لا تؤدي فقط وظيفة تنظيم الاجتماعات أو حفظ الوثائق، بل يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مركز دائم لتنسيق السياسات، ومتابعة تنفيذ القرارات، وإعداد التصورات المشتركة، وربط المسارات السياسية والعسكرية والدفاعية.
وبعبارة أخرى، فإن الدول الثلاث بدأت في منح الاتفاق ذاكرة مؤسسية وقدرة على الاستمرار، بحيث لا يبقى نشاطه مرتبطا فقط بعقد قمة جديدة أو بتغير الحكومات أو بتبدل الظروف السياسية.
لا يمكن فصل اتفاق مكة عن البيئة الأمنية التي وُلد فيها. فالمنطقة تمر بمرحلة من الاضطراب والتصعيد، فيما تواجه الدول الثلاث بدرجات متفاوتة أسئلة متشابهة حول الردع والأمن الإقليمي وحماية المصالح الاستراتيجية.
غير أن بناء مؤسسات دائمة يشير إلى أن المؤسسين لا يريدون التعامل مع هذه الظروف باعتبارها أزمة مؤقتة ستنتهي ثم ينتهي معها التحالف.
فالأزمات قد تكون الشرارة التي تدفع الدول إلى التقارب، لكنها ليست بالضرورة كافية لإنتاج مؤسسة دائمة. وما يحدث اليوم هو محاولة لتحويل التقارب الذي فرضته الضرورة إلى شراكة يمكن أن تستمر حتى بعد تغير الظروف التي أدت إلى توقيع الاتفاق.
الاتفاق لم يكن يراد له أن يبقى إطارا رمزيا أو بيانا سياسيا، بل أن يتحول تدريجيا إلى منظومة لها إدارة وآليات تنسيق ومتابعة.
وهذا هو الفارق بين تحالف الضرورة والمشروع الاستراتيجي.
فالأول ينشأ لمواجهة تهديد محدد وينحسر بزواله، بينما الثاني يبدأ بتحديد تهديد أو مصلحة مشتركة، ثم يعمل على إنشاء أدوات ومؤسسات تجعل التعاون جزءا دائما من سياسات الدول المعنية.
وتزداد أهمية هذه القراءة مع الحديث عن أن التحالف صُمم ليكون قابلا للتوسع واستقبال دول أخرى في المستقبل. وقد أكد مسؤولون أتراك أن التحالف لا يُنظر إليه باعتباره إطارا مغلقا، ما يفتح الباب أمام احتمال تحوله من اتفاق ثلاثي إلى نواة لترتيب أمني أوسع.
وهنا تبدو الأمانة العامة خطوة استباقية.
فإذا كان التحالف مرشحا مستقبلا لاستقبال أعضاء جدد، فإن بناء هيكله المؤسسي يصبح ضرورة قبل التوسع. إذ يصعب إدارة تحالف متعدد الأطراف عبر قنوات الاتصال الثنائية وحدها، بينما توفر المؤسسة الدائمة إطارا لاستيعاب الأعضاء الجدد وتوزيع المسؤوليات وتنسيق المصالح.
لذلك، يمكن القول إن الدول الثلاث ربما تسير وفق منطق بناء المؤسسة قبل توسيع العضوية.
وهو منطق يعكس رغبة في تجنب تحول الاتفاق إلى تجمع سياسي فضفاض، والعمل بدلا من ذلك على بناء قواعد تنظيمية واضحة يمكن أن تشكل أساسا للتوسع في المستقبل.
كما أن قوة اتفاق مكة لا تقوم فقط على عدد الدول الأعضاء، بل على تنوع القدرات التي تمتلكها الدول الثلاث.
فالسعودية تمثل ثقلا اقتصاديا وسياسيا كبيرا في الخليج والعالم العربي والإسلامي، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متطورة وخبرة عسكرية واسعة وعضوية في حلف شمال الأطلسي. أما باكستان فتمتلك واحدة من أكبر المؤسسات العسكرية في العالم الإسلامي وخبرات واسعة وقدرات استراتيجية خاصة.
وهذا التنوع يمنح الاتفاق إمكانية بناء نموذج يقوم على تقاسم الأدوار والقدرات، بدلا من الاعتماد على قوة عسكرية واحدة.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة مشتركة يحتاج إلى أكثر من اتفاق سياسي. إنه يحتاج إلى تنسيق في التدريب، وتبادل للمعلومات، وتطوير للتوافق العسكري، وربما مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
ولهذا تبدو المؤسسات الجديدة جزءا من محاولة الإجابة عن السؤال الأصعب: كيف يمكن تحويل التعهد السياسي بالدفاع المشترك إلى قدرة عملية على العمل المشترك؟
مع ذلك، لا تزال الطريق طويلة أمام اتفاق مكة.
فإنشاء الأمانة العامة لا يعني تلقائيا أن التحالف أصبح قوة عسكرية متكاملة. فالاختبار الحقيقي سيبدأ عند تحديد صلاحيات المؤسسات الجديدة، وحجم الالتزامات العسكرية، وآليات اتخاذ القرار، ومدى استعداد الدول الثلاث لتحويل التعاون السياسي إلى ترتيبات عملياتية ملموسة.
كما أن اتساع مصالح الدول الثلاث وتعدد ساحاتها الجيوسياسية قد يطرح تحديات معقدة أمام مفهوم الدفاع الجماعي.
لكن ما يمكن قوله حتى الآن هو أن اتفاق مكة تجاوز بالفعل مرحلة الإعلان.