اتفاق ترامب – إيران: الخليج يحتاج إلى روايته الخاصة

الولايات المتحدة بدت وكأنها تتحدث بأكثر من صوت، بينما كانت إيران تتحدث بصوت واحد. وفي هذه النقطة تحديداً ظهر الفارق بين مؤسستين سياسيتين مختلفتين في إدارة الرسائل الإعلامية.
الجمعة 2026/06/26
دول الخليج ليست طرفا مباشرا في الاتفاق لكنها معنية بنتائجه

منذ الإعلان عن التفاهم الأميركي – الإيراني، لا تبدو المعركة الحقيقية دائرة حول نصوص الاتفاق بقدر ما تدور حول تفسيره. فالأطراف لا تتنافس على البنود بقدر ما تتنافس على حق روايتها. وفي كثير من الأحيان تكون الرواية أهم من الوقائع نفسها، لأن ما يبقى في الوعي العام ليس ما كُتب في الأوراق بل ما نجح كل طرف في تسويقه باعتباره الحقيقة.

لحد الآن فإن إيران خطفت الأضواء للصورة التي تريد أن ترسمها لنفسها، أو على الأقل أظهرت أنها الطرف الأكثر تأثيرا في أذهان الجمهور بما في ذلك الجمهور الأميركي، في المقابل بدت الصورة التي تقدمها إدارة ترامب عن نهاية الحرب ومكاسبها ضبابية.

في جانب آخر من المشهد، ما يزال الموقف الخليجي يسيطر عليه التردد والانتظار، عدا إشارات إلى المفاجأة من طريقة إدارة ترامب للاتفاق ومحاولات تحميل الخليجيين فاتورة الحرب. ربما مع الوقت سيخفت عامل المفاجأة وسيتحرك الخليجيون لتقديم سردية خاصة بالاتفاق والتعاطي معها بشكل جماعي أو من كل دولة على حده.

يحرص المسؤولون الإيرانيون على الظهور في موقع المنتصر خاصة خلال ظهورهم في محادثات جنيف. فكل تصريح يصدر عن طهران يكاد يحمل الرسالة نفسها: إيران صمدت في الحرب وفرضت شروطها في التفاوض وانتزعت اتفاقا يكرّس مصالحها ويعترف بمكانتها الإقليمية.

لكن هذا الإصرار الإيراني على خطاب النصر يثير سؤالا بديهيا: أين هو هذا النصر؟

فمن الناحية الميدانية يصعب الحديث عن انتصار إيراني بالمعنى التقليدي. إيران خرجت من الحرب الأخيرة بخسائر استراتيجية كبيرة. نفوذها الإقليمي تعرض لضربات قاسية، وحلفاؤها في المنطقة دفعوا أثمانا باهظة. فـ”حزب الله” لم يعد في الوضع الذي كان عليه قبل الحرب، وحركة حماس تلقت ضربات غير مسبوقة، كما تعرضت الشبكة الإقليمية التي بنتها طهران على مدى عقود إلى استنزاف واسع. أما الأضرار الاقتصادية والبنى التحتية وما ترتب عليها من أعباء مالية فتجعل الحديث عن مرحلة إعادة إعمار طويلة أمرا واقعيا أكثر من الحديث عن مكاسب مباشرة.

مع ذلك، لا تستند طهران في حديثها عن النصر إلى نتائج الحرب بقدر ما تستند إلى إدارة صورتها بعد الحرب.

ربما مع الوقت سيخفت عامل المفاجأة وسيتحرك الخليجيون لتقديم سردية خاصة بالاتفاق والتعاطي معها بشكل جماعي أو من كل دولة على حده

لقد أدرك الإيرانيون مبكرا أن معركة ما بعد الاتفاق ليست معركة نصوص قانونية بل معركة تأويلات. ولذلك سارعوا إلى تقديم قراءة متكاملة للاتفاق تظهره وكأنه اعتراف أميركي بصمود إيران وبدورها الإقليمي. ومن خلال هذه القراءة جرى التركيز على الملفات المرتبطة بالأموال المجمدة والعقوبات وإمكانيات الانفتاح الاقتصادي أكثر من التركيز على القيود المفترضة على البرنامج النووي وعودة مفتشي وكالة الطاقة.

وساعدهم على ذلك عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في غياب خطاب أميركي متماسك، إلى درجة أن المتابعين لا يعرفون بالضبط ما هي المكاسب التي حققتها واشنطن، ماذا كسبت واشنطن من التنازلات الواسعة التي تضمنتها المسودة التي تروج لها إيران وتجد صدى في الإعلام الغربي؟

الولايات المتحدة بدت وكأنها تتحدث بأكثر من صوت، بينما كانت إيران تتحدث بصوت واحد. وفي هذه النقطة تحديدا ظهر الفارق بين مؤسستين سياسيتين مختلفتين في إدارة الرسائل الإعلامية.

في الجانب الإيراني هناك انضباط واضح في الرسالة. قد تختلف مراكز القوى داخل النظام، لكن ما يصل إلى الجمهور يظل متقاربا ومتناسقا. أما في الجانب الأميركي فقد هيمن حضور ترامب على المشهد إلى درجة بدت معها السياسة الخارجية رهينة التصريحات اليومية والتغريدات وردود الأفعال الشخصية الصادرة عنه.

ترامب ينتقل أحيانا من التهديد بسحق إيران إلى الإشادة بحكمة الإيرانيين وقدرتهم على التفاوض. ويقدم في لحظة صورة الخصم الذي لا يقبل التنازل، ثم يعود في لحظة أخرى ليتحدث بلغة أقرب إلى الإعجاب بالخصم نفسه. هذا التناقض لا يربك المتابعين فحسب، بل يمنح الطرف الآخر مساحة واسعة للمناورة، ويجعل الشارع الإيراني والعربي يصفق للرواية الإيرانية حتى وإن كانت أشبه ببالون منفوخ إلى درجة يمكن معها أن ينفجر في أي لحظة.

في السياسة الدولية لا يكفي أن تكون قويا، بل يجب أن تبدو قويا أيضا. وهنا حققت إيران تقدما واضحا في معركة الصورة. فبينما كانت طهران تبادر إلى طرح تأويلاتها الخاصة للاتفاق، كانت واشنطن تبدو منشغلة بتصحيح الانطباعات التي تركتها تلك التأويلات المتسارعة والمتنوعة.

ولعل أبرز مثال على ذلك الجدل الذي رافق الحديث عن الأموال الإيرانية المجمدة ومقترح إنشاء صندوق استثماري لإعادة الإعمار. فالإيرانيون قدموا هذه الأفكار باعتبارها مؤشرات على نجاحهم في انتزاع تنازلات أميركية ودولية. وبعد أن انتشرت الرواية على نطاق واسع، خرج ترامب ومسؤولون أميركيون لتقديم رواية مختلفة تؤكد أن أي أموال سيتم الإفراج عنها ستخضع لرقابة صارمة وأن استخدامها سيقتصر على أغراض محددة مثل شراء المواد الغذائية والإمدادات الطبية من الولايات المتحدة وليس من غيرها.

غير أن المشكلة الاتصالية هنا أن النفي يأتي دائما متأخرا.

وفي الإعلام السياسي، لا يلغي النفي الرواية الأولى بالضرورة. بل قد يتحول إلى مجرد تفصيل إضافي داخلها. فعندما تنتشر قصة ما وتترسخ في الأذهان، يصبح تصحيحها أكثر صعوبة من إطلاقها، وقد يكون عنصرا فعالا في المزيد من اتساع مصداقيتها. ولهذا تمكنت السردية الإيرانية من تحقيق انتشار واسع في الشارع العربي والإسلامي، حيث توجد أصلا بيئة نفسية وسياسية تميل إلى التشكيك في الرواية الأميركية والإسرائيلية مطلقا.

في معارك الخطاب السياسي لا يوجد فراغ. إذا لم تقدم الأطراف المعنية روايتها الخاصة فإن رواية الطرف الآخر تصبح هي الرواية السائدة بحكم الأمر الواقع

ومن المفارقات أن ترامب نفسه يدرك خطورة هذه المسألة، ولذلك لجأ إلى مهاجمة ما سماه “الأخبار المزيفة” التي تحاول التقليل من حجم الانتصار الأميركي. لكن مجرد اضطراره إلى الدفاع عن روايته يعني أن معركة السرديات لم تُحسم لصالحه.

الأكثر أهمية من ذلك أن ارتباك الرواية الأميركية انعكس مباشرة على الموقف الخليجي. فالدول الخليجية ليست طرفا مباشرا في الاتفاق، لكنها معنية بنتائجه وتداعياته. ولذلك فإنها تجد نفسها اليوم أمام روايات متضاربة بشأن قضايا حساسة، من بينها الحديث عن مساهمات خليجية محتملة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب أو المشاركة في ترتيبات اقتصادية جديدة مرتبطة بالتفاهم الأميركي – الإيراني.

حتى الآن يبدو الموقف الخليجي أقرب إلى الترقب. فالعواصم الخليجية تنتظر فهما أوضح لماهية المقترحات المطروحة قبل أن تحدد موقفها منها. لكن هذا الصمت يمنح السردية الإيرانية مساحة إضافية للتمدد ويصبح المطلوب من الخليج الإجابة عن الأسئلة وعدم الاكتفاء بالنفي والتشكيك أو الصمت.

في معارك الخطاب السياسي، لا يوجد فراغ. إذا لم تقدم الأطراف المعنية روايتها الخاصة، فإن رواية الطرف الآخر تصبح هي الرواية السائدة بحكم الأمر الواقع.

ومن هنا تبدو الحاجة قائمة إلى صوت خليجي أكثر حضورا، ليس بالضرورة لمهاجمة الاتفاق، وإنما لتحديد المصالح الخليجية بوضوح. فإذا كانت دول الخليج قد عارضت الحرب منذ البداية وتحملت جانبا من تداعياتها الأمنية والاقتصادية، فمن الطبيعي أن تطرح أسئلة مشروعة حول أي ترتيبات مالية قد تُطلب منها لاحقا.

كما أن فكرة مساهمة دول الخليج في تعويض خسائر ترتبت على صراع لم تكن صاحبة قرار فيه تثير تساؤلات سياسية وأخلاقية يصعب تجاوزها بسهولة. فإذا كانت واشنطن ترى أن من الضروري تقديم حوافز اقتصادية لطهران، فبإمكانها اللجوء إلى أدواتها الخاصة، سواء عبر تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة أو تشجيع الاستثمارات الأميركية. أما تحميل أطراف أخرى كلفة ترتيبات لا تملك دورا حاسما في صياغتها فهو أمر يحتاج إلى تبريرات أكثر إقناعا.

في النهاية، لا تبدو المشكلة الأساسية في الاتفاق نفسه بقدر ما تبدو في الطريقة التي يجري تسويقه بها. فإيران تخوض معركة سردية منظمة ومتماسكة، بينما تبدو الولايات المتحدة منشغلة بالرد على تلك السردية أكثر من انشغالها بصياغة رواية بديلة مقنعة. وبين الروايتين يقف الخليجيون في منطقة انتظار قد تطول، فيما تتقدم طهران بثبات في معركة الصورة، وهي المعركة التي قد تكون، في هذه المرحلة على الأقل، أهم من الاتفاق نفسه.

6