إيران والخليج بعد الحرب: الندية بديلا عن أوهام القوة
لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة في الشرق الأوسط، بل فرصة لمراجعة سياسية وإستراتيجية عميقة لدى إيران ودول الخليج. فقد كشفت التطورات الميدانية وما رافقها من حسابات معقدة أن المنطقة وصلت إلى نقطة لم يعد معها ممكنا الاستمرار في إدارة الخلافات بالمنطق القديم القائم على التهديد المتبادل واستدعاء الاصطفافات الطائفية أو التعويل المطلق على القوى الخارجية.
وإذا كانت واشنطن وطهران قد انتهتا إلى أن الحوار هو المخرج من حرب متسرعة بلا أفق سياسي واضح ولا تراعي تعقيدات الإقليم، أفليس الحوار الخليجي الإيراني أولى بأن ينتقل من دائرة الضرورة المؤقتة إلى خيار استراتيجي دائم يقوم على الندية والشراكة مهما بلغت حدة الخلافات السياسية والأمنية بين الطرفين؟ فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، كما أن المصالح الاقتصادية والأمنية المتشابكة أقوى من أن تلغيها جولات التصعيد العابرة.
لقد وقفت طهران خلال الحرب على حقيقة مهمة ربما لم تكن حاضرة بالوضوح نفسه في حسابات بعض دوائرها السياسية والعسكرية، وهي أن الجمع بين دول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل في سلة واحدة يمثل خطأ استراتيجيا. فدول الخليج ليست نسخة من السياسات الأميركية، كما أنه لا مصلحة لها في تحويل أراضيها إلى منصات لمعارك مفتوحة مع إيران.
ويعرف الإيرانيون أن دولا مثل السعودية والإمارات وقطر عارضت فكرة الحرب، ورفضت توظيف القواعد الموجودة على أراضيها في مواجهة لا تخدم مصالحها ولا أمنها القومي. وهو موقف يستند إلى قناعة بأن إدارة الخلاف مع إيران يجب أن تراعي حقيقة أنها دولة جارة، وأن الحرب لا تؤسس لسلام مستدام بين الجيران بقدر ما توسع دائرة الخلاف وتعمق الجروح، ولذلك لا بد أحيانا من تقديم التنازلات اللازمة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
أفضل الضمانات الأمنية ليست تلك القادمة من الخارج بل تلك التي تنشأ من بناء شبكة تفاهمات إقليمية مستقرة تقلص فرص الصدام المباشر وتضع قواعد واضحة لإدارة الخلافات
وعندما تعرضت بعض المنشآت والمصالح الخليجية للاستهداف الإيراني المباشر أو غير المباشر، كان بإمكان العواصم الخليجية أن تنخرط في ردود هجومية واسعة قد تدفع المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة. لكن ما حدث فعليا أن هذه الدول اختارت سقفا مختلفا من التعامل، فركزت على الدفاع عن أراضيها ومنشآتها الحيوية، وتجنبت الانزلاق إلى مواجهة شاملة كانت ستدفع المنطقة كلها ثمنها.
ولا يعني ذلك أن دول الخليج كانت عاجزة عن الرد. صحيح أن إيران تمتلك تفوقا في بعض عناصر القوة التقليدية المرتبطة بالكتلة البشرية والخبرة المتراكمة في إدارة الصراعات غير النظامية، إلا أن دول الخليج راكمت خلال العقود الماضية قدرات عسكرية وتقنية متطورة كان بإمكانها إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية لو اختارت الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. غير أن الحسابات السياسية والعقلانية الإستراتيجية غلبت في النهاية على منطق الانتقام.
ومن هذه الزاوية تبدو الحرب وكأنها وجهت رسالة مزدوجة إلى الطرفين. فبالنسبة إلى إيران، أثبتت أن استسهال استخدام الصواريخ والمسيرات وتحريك الأذرع المسلحة في الإقليم ليس خيارا منخفض الكلفة كما كان يعتقد بعض المتشددين. أما بالنسبة إلى دول الخليج، فقد أكدت أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة الحسابات الأميركية أو الإيرانية أو الإسرائيلية، ولا أن يظل مرتبطا بالكامل بتقلبات المواقف الدولية.
ولعل واحدة من أكثر النتائج أهمية تتمثل في إدراك الطرفين لحجم الترابط الاقتصادي القائم بينهما رغم الخلافات السياسية. فإذا تعثر الاتفاق مع الولايات المتحدة مستقبلا وعادت العقوبات المشددة أو أشكال الحصار الاقتصادي، فإن إيران ستجد نفسها بحاجة أكبر إلى منافذها الإقليمية الطبيعية. وفي مقدمة هذه المنافذ تأتي دول الخليج التي تمثل شريكا تجاريا واقتصاديا لا يمكن تجاوزه بسهولة.
وحتى في السيناريو المعاكس، أي في حال حصول إيران على تسهيلات مالية واسعة ورفع جزء مهم من العقوبات عنها، فإن ذلك لن يلغي حقيقة أن الاقتصاد الإيراني يظل مرتبطا بدرجات مختلفة بالاقتصاديات الخليجية وبالممرات التجارية والمالية التي تمر عبر المنطقة. ولذلك فإن الحديث عن قطيعة كاملة أو فك ارتباط استراتيجي بين الجانبين لا يبدو واقعيا بقدر ما يعكس رغبات أيديولوجية أكثر مما يعكس حقائق الجغرافيا والاقتصاد.
وفي المقابل، تدرك دول الخليج أن بناء استقرار طويل الأمد لا يمكن أن يقوم على سياسة الاحتواء الدائم لإيران أو على انتظار تبدل مواقف الإدارات الأميركية. فقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن واشنطن تتعامل مع الملف الإيراني انطلاقا من مصالحها الخاصة، وليس من حسابات الأمن الخليجي حصرا.
ففي لحظات معينة ترتفع حدة المواجهة إلى أقصى مستوياتها، ثم تتجه الإدارة الأميركية نفسها إلى طاولة التفاوض وإبرام الاتفاقات عندما ترى أن ذلك يخدم مصالحها. حدث ذلك مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام 2015، وتكرر بصيغ مختلفة في مراحل لاحقة كان آخرها الاتفاق الذي رعاه ترامب في 2026. أما دول الخليج فتجد نفسها في كثير من الأحيان أمام نتائج هذه التحولات دون أن تكون شريكا حقيقيا في صياغتها.
ومن هنا تتعزز القناعة الخليجية بأن أفضل الضمانات الأمنية ليست تلك القادمة من الخارج، بل تلك التي تنشأ من بناء شبكة تفاهمات إقليمية مستقرة تقلص فرص الصدام المباشر وتضع قواعد واضحة لإدارة الخلافات.
وليس ن قبيل الصدفة أن تكون المملكة العربية السعودية قد سبقت الحرب الأخيرة بخطوات مهمة في هذا الاتجاه. فقد فتحت الرياض باب حوار جدي مع إيران على مستويين متوازيين. الأول يتعلق بالملف اليمني والسعي إلى إيجاد ترتيبات تقلص تهديد الحوثيين للأمن القومي السعودي ولمنشآت الطاقة. أما الثاني فيتعلق ببناء حوار استراتيجي أوسع مع طهران يقوم على الحد الأدنى من المصالح المشتركة وإدارة الخلافات بعيدا عن منطق المواجهة الدائمة.
كما حرصت السعودية على توفير مناخ سياسي وإعلامي يساعد على إنجاح هذا المسار، من خلال الحد من الخطاب التحريضي والطائفي، وتقديم إشارات إيجابية في التعامل مع الحجاج الإيرانيين، في محاولة لإثبات أن الخلافات السياسية لا يجب أن تتحول إلى قطيعة مجتمعية أو مذهبية.
غير أن الكثير من المراقبين يرون أن الاستجابة الإيرانية لم ترتق إلى مستوى هذه المبادرات. فقد بدا أحيانا أن طهران تنظر إلى الحوار بوصفه أداة لإدارة الوقت أكثر من كونه خيارا استراتيجيا مستقرا، وهو ما أضعف الثقة المتبادلة وأبقى الشكوك الخليجية قائمة بشأن النوايا الحقيقية لبعض مراكز القرار داخل النظام الإيراني.
هل يتعامل النظام الإيراني مع هذه الحرب باعتبارها فرصة للمراجعة وإعادة ترتيب علاقاته مع جواره الخليجي على أسس جديدة، أم يواصل الهروب إلى الأمام والتمسك بسياسات أثبتت كلفتها العالية؟
لكن رغم ذلك، فإن البديل عن الحوار لا يبدو أفضل حالا. فالتجارب السابقة أثبتت أن التصعيد لا ينتج سوى مزيد من الأزمات، وأن محاولات فرض النفوذ عبر الأذرع المسلحة أو الشبكات المذهبية تؤدي في النهاية إلى استنزاف الجميع.
وهنا تحديدا يبرز البعد الأهم في مرحلة ما بعد الحرب، وهو البعد المجتمعي. فشعوب المنطقة دفعت خلال العقود الماضية أثمانا باهظة نتيجة الاستقطاب الطائفي والتعبئة المذهبية والصراعات بالوكالة. ولم يعد هناك ما يبرر استمرار هذه الحالة في وقت تواجه فيه دول المنطقة تحديات اقتصادية وتنموية هائلة تتطلب توجيه الموارد نحو الاستثمار والتعليم والتكنولوجيا وخلق فرص العمل بدلا من سباقات التسلح والصراعات المفتوحة.
صحيح أن الحوار مع إيران لن يغير طبيعة النظام السياسي فيها، ولن يدفعها بالضرورة إلى التخلي عن كل عناصر عقيدتها الإقليمية. لكن المطلوب ليس تحقيق تحولات مثالية أو رهانات كبرى يصعب تحقيقها. المطلوب هو بناء قواعد تعامل جديدة تحد من نفوذ التيارات الأكثر تشددا، وتقلص فرص العودة إلى سياسات تصدير الثورة وتشكيل الخلايا المرتبطة بالأجندات المذهبية أو استخدام الوكلاء المحليين كأدوات ضغط على دول الجوار.
لقد كشفت الحرب الأخيرة أن جميع الأطراف تملك القدرة على الإيذاء، لكنها كشفت أيضا أن أيا منها لا يستطيع فرض استقرار دائم بالقوة. كما أسقطت وهمين كبيرين في آن واحد: وهم القدرة الإيرانية على فرض النفوذ عبر الصواريخ والأذرع المسلحة، ووهم القدرة على ضمان الأمن الإقليمي بالاعتماد الكامل على المظلات الخارجية.
ولذلك تبدو الندية اليوم أكثر واقعية من الهيمنة، والحوار أكثر جدوى من التهديد، والشراكة الإقليمية أكثر استدامة من الاستقطاب الطائفي. وإذا كان للحرب من أثر إيجابي محتمل، فهو أنها دفعت إيران ودول الخليج إلى مواجهة حقيقة طال تجاهلها: لا أمن لأحد في المنطقة من دون الآخر، ولا مستقبل مستقرا للجميع إلا عبر تفاهمات متوازنة تحترم المصالح المتبادلة وتضع حدا لأوهام القوة التي حكمت المنطقة طويلا.
ويبقى السؤال: هل يتعامل النظام الإيراني مع هذه الحرب باعتبارها فرصة للمراجعة وإعادة ترتيب علاقاته مع جواره الخليجي على أسس جديدة، أم يواصل الهروب إلى الأمام والتمسك بسياسات أثبتت كلفتها العالية؟