إيران: رسوم الإنترنت وجه آخر لحرب النفط
طهران- لم يعد مضيق هرمز في الحسابات الإيرانية مجرد ممر استراتيجي تعبره ناقلات النفط والغاز، وإنما بدأ يتحول إلى مساحة يمكن أن تمتد إليها أدوات الضغط على الاتصالات والبنية التحتية الرقمية. ومع إدخال الكابلات البحرية إلى مشروع التشريع الخاص بأمن المضيق، تبدو طهران وكأنها توسع مفهوم السيطرة على هرمز من حركة السفن فوق سطح الماء إلى البنية التحتية التي تمر في قاعه.
وأقرت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني مادة ضمن مشروع «الخطة الاستراتيجية لأمن مضيق هرمز»، تنص على أن مرور الكابلات والمعدات المرتبطة بنقل البيانات عبر المضيق سيكون مشروطا بموافقة السلطات الإيرانية المختصة. ويتناول النص إنشاء وتشغيل وتطوير البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بما فيها الألياف الضوئية. ولا يزال الأمر في إطار مشروع قانون قيد المراجعة، وليس تشريعا نافذا يتيح لإيران منع الكابلات أو قطعها.
لكن الانتقال من التلويح السياسي إلى إدخال الكابلات في نص تشريعي يمنح التطور دلالة تتجاوز التفاصيل القانونية. فهرمز، الذي أصبح خلال الحرب ورقة ضغط على صادرات الطاقة وحركة الملاحة، يدخل بذلك مجالا آخر أكثر ارتباطا بالاقتصاد الحديث: البيانات. وتكمن أهمية الخطوة في أن دول الخليج تعتمد على شبكات الكابلات البحرية لربط مراكز البيانات والأسواق والخدمات الرقمية بالشبكات الدولية.
وكانت طهران قد مهدت لهذا المسار في مايو الماضي، عندما طرحت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري أفكارا لفرض رسوم على الكابلات البحرية التي تعبر هرمز، بل وذهبت بعض الطروحات إلى الحديث عن تنظيم عمليات صيانة الكابلات ومراقبة حركة البيانات. كما أعلن متحدث عسكري إيراني حينها أن بلاده ستفرض رسوما على كابلات الإنترنت. غير أن تلك الطروحات بقيت في حينها أقرب إلى التهديد السياسي والمقترحات الإعلامية منها إلى إطار قانوني واضح.
ويأتي التطور الجديد في وقت يشهد فيه المضيق أصلا اضطرابا حادا في حركة الملاحة. فقد أظهرت بيانات نقلتها رويترز أن 17 سفينة للسلع عبرت هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقابل 37 سفينة في الأسبوع السابق، وهو انخفاض كبير عن مستويات ما قبل الحرب التي كانت تصل إلى نحو 125 سفينة يوميا. ويؤكد ذلك أن المضيق أصبح بالفعل أحد أبرز ميادين الضغط في الحرب على الطاقة والتجارة.
الخطر الأكثر مباشرة لا يتمثل في "إطفاء الإنترنت العالمي"، وإنما في احتمال زيادة كلفة ومخاطر الاتصال الرقمي في الخليج
ومن هنا تكتسب الكابلات أهمية إضافية. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى قطعها حتى تجعلها ورقة تفاوضية؛ يكفي، من منظور الضغط السياسي، أن يصبح مرورها أو صيانتها أو تطويرها مرتبطا بموافقات ورسوم وقواعد جديدة. وفي منطقة تستثمر بكثافة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، يمكن لأي زيادة في المخاطر التنظيمية والأمنية أن تؤثر في قرارات الشركات بشأن مسارات الاستثمار.
لكن حجم التهديد يحتاج إلى ضبط دقيق. فمضيق هرمز مهم للاتصال الرقمي في الخليج، وتوجد فيه خمسة مقاطع نشطة لأنظمة كابلات بحرية، وفقا للجنة الدولية لحماية الكابلات، إلا أن اللجنة تحذر من المبالغة في تصوير المضيق باعتباره نقطة اختناق للإنترنت العالمي، مشيرة إلى أن عرض النطاق الذي يمر عبره يمثل أقل من واحد في المئة من النطاق الدولي عالميا. كما أن شبكات الكابلات مصممة بقدر من التكرار يسمح بتحويل جزء من حركة البيانات إلى مسارات بديلة عند حدوث أعطال.
لذلك فإن الخطر الأكثر مباشرة لا يتمثل في «إطفاء الإنترنت العالمي»، وإنما في احتمال زيادة كلفة ومخاطر الاتصال الرقمي في الخليج. ففرض قيود أو رسوم أو شروط إضافية يمكن أن يدفع مشغلي الشبكات وشركات التكنولوجيا إلى تسريع البحث عن مسارات برية وبحرية بديلة، وهو اتجاه بدأ بالفعل تحت تأثير المخاطر الأمنية في المنطقة.
وكانت مشاريع كابلات بحرية في الخليج والبحر الأحمر قد واجهت تأخيرات كبيرة خلال العام الحالي بسبب المخاوف الأمنية. ووفقا لصحيفة فايننشال تايمز، فإن مشاريع كابلات في هرمز والخليج تعطلت أو تأجلت، الأمر الذي يهدد طموحات دول المنطقة في التحول إلى مراكز للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والاقتصاد الرقمي.
وتكشف هذه التطورات عن تحول أوسع في طبيعة الصراع حول هرمز. فخلال العقود الماضية كان النفوذ في المضيق يقاس بقدرة الدول على حماية أو تعطيل ناقلات النفط، أما اليوم فتضاف إلى المعادلة بنية تحتية أقل ظهورا لكنها أساسية للاقتصاد: كابلات تحمل الاتصالات والمعاملات المالية والخدمات السحابية وتربط الاقتصادات الخليجية بالعالم.
وبالنسبة إلى إيران، فإن إدخال الكابلات في مشروع قانون أمن هرمز يمكن قراءته باعتباره محاولة لتوسيع مجال النفوذ الذي تسعى إلى ممارسته حول المضيق. فبعد أن ارتبط اسم هرمز بإمدادات النفط والغاز، تطرح طهران الآن سؤالا مختلفا: من يملك حق تنظيم البنية التحتية التي تمر في قاع المضيق؟
غير أن الإجابة لن تكون إيرانية بالضرورة، إذ إن غالبية أنظمة الكابلات ملك اتحادات وشركات دولية، كما أن وضع المضيق القانوني وحركة العبور فيه يرتبطان بقواعد دولية وبمصالح سلطنة عمان ودول الخليج ومشغلي الاتصالات. ولذلك فإن تحويل المقترح الإيراني إلى نظام فعلي للرسوم أو الموافقات قد يفتح مواجهة قانونية وسياسية وتقنية تتجاوز طهران.
في المحصلة، لا يتعلق التطور الأخير بحرب على الإنترنت بالمعنى المباشر، وإنما بمحاولة محتملة لنقل منطق هرمز من النفط إلى البيانات. فإذا كانت ناقلات الطاقة تمنح المضيق وزنه الجيوسياسي التقليدي، فإن الكابلات تمنحه بعدا جديدا في اقتصاد أصبحت فيه البيانات جزءا من القوة. وهنا قد تصبح معركة هرمز المقبلة أقل وضوحا من معركة الناقلات، لكنها لا تقل ارتباطا بمستقبل النفوذ في الخليج.