إيران تستعد لمرحلة أكثر تشددا.. مجتبى خامنئي يعيد تدوير صقور الحرس الثوري
طهران- تدخل إيران مرحلة جديدة من إعادة ترتيب مراكز القوة داخل مؤسساتها الأمنية والعسكرية، مع اتجاه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى الدفع بشخصيات مخضرمة ومرتبطة بالحرس الثوري إلى مواقع القرار الأكثر حساسية، في خطوة تعكس، وفق تقديرات خبراء، استعداد طهران لمرحلة طويلة من المواجهة مع الولايات المتحدة، وتراجع الرهان على المسار الدبلوماسي باعتباره المسار الوحيد لإدارة الصراع.
وتكتسب هذه التعيينات أهمية استثنائية باعتبارها أول خطوة كبرى تحمل بصمة مجتبى خامنئي منذ توليه منصب المرشد الأعلى، في وقت لا يزال النظام الإيراني يعيد بناء مؤسساته الأمنية بعد الخسائر التي تعرضت لها قياداته خلال الحرب.
وقد جاءت التعيينات في التاسع والعاشر من أغسطس، لتملأ عددا من المناصب التي شغرت بعد مقتل مسؤولين كبار، ولتعيد إلى الواجهة أسماء تنتمي إلى ما يعرف داخل النظام بـ"الحرس القديم".
وتكشف تركيبة التعيينات عن توجه واضح نحو تعزيز موقع المؤسسة الأمنية والعسكرية في صناعة القرار الإيراني. فاختيار شخصيات مثل محسن رضائي، وحسين طائب، وأحمد وحيدي، وعلي عبد اللهي، لا يمثل مجرد عملية إحلال وظيفي، وإنما يعكس محاولة لإعادة بناء منظومة القيادة على أساس الخبرة العسكرية والأمنية والولاء للمؤسسة الحاكمة، في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.
ويبرز محسن رضائي، البالغ 71 عاما، بوصفه أحد أبرز رموز هذه العودة. فقد قاد الحرس الثوري خلال جزء كبير من الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قبل أن يخوض تجربة سياسية لم تكلل بالنجاح، من خلال مشاركته المتكررة في الانتخابات الرئاسية.
ويأتي تعيينه أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي ليضع شخصية ذات خلفية عسكرية صلبة في واحد من أهم مراكز صناعة القرار الاستراتيجي في البلاد.
ولا تبدو تصريحات رضائي السابقة بعيدة عن الاتجاه الجديد. فقد هدد في أبريل بإغراق السفن الأميركية في مضيق هرمز إذا قررت واشنطن لعب دور "الشرطي" في الممر البحري الحيوي، كما توعد في يونيو برد صاروخي واسع على أي هجوم أميركي.
وتكشف هذه المواقف عن عقلية أمنية تنظر إلى العلاقة مع واشنطن باعتبارها صراعا مفتوحا أكثر منها خلافا قابلا للاحتواء عبر التسويات السياسية.
وأما عودة حسين طائب إلى الواجهة فتقدم مؤشرا آخر على تشدد المقاربة الأمنية. فقد عُيّن الرئيس السابق لاستخبارات الحرس الثوري قائدا لقوات الباسيج، وهي المؤسسة التي تلعب دورا أساسيا في ضبط الشارع الإيراني ومواجهة الاحتجاجات الداخلية. وكان طائب قد ترأس جهاز استخبارات الحرس لنحو عقد ونصف قبل إقالته المفاجئة عام 2022.
ويحمل اختيار طائب دلالة مزدوجة؛ فمن جهة، يعكس الثقة التي يتمتع بها داخل دوائر القرار القريبة من مجتبى خامنئي، ومن جهة أخرى يشير إلى أن القيادة الإيرانية لا تستعد فقط لمواجهة خارجية مع الولايات المتحدة، وإنما تتحسب أيضا لاحتمال عودة الاضطرابات الداخلية في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وتكتسب قوات الباسيج أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها إحدى أهم أدوات النظام في التعامل مع الاحتجاجات.
وبالتالي، فإن وضع شخصية أمنية من وزن طائب على رأسها قد يعني أن القيادة الإيرانية تتوقع مرحلة تتطلب تشديد الرقابة الداخلية وتعزيز القدرة على احتواء أي موجة احتجاج جديدة، بالتوازي مع إدارة الصراع الخارجي.
وفي المؤسسة العسكرية، جاء تعيين أحمد وحيدي قائدا عاما للحرس الثوري في ظرف بالغ الحساسية. فهو ثالث قائد يتولى المنصب خلال أقل من عام، بعد مقتل قائده السابق محمد باكبور في اليوم الأول من الحرب، ومقتل حسين سلامي خلال الحرب الإسرائيلية على إيران التي استمرت 12 يوما في يونيو 2025.
ويحمل وحيدي خبرة واسعة، إذ سبق أن تولى وزارتي الداخلية والدفاع، لكن بروز اسمه يأتي هذه المرة في قلب المؤسسة التي تمثل العمود الفقري للأمن القومي الإيراني.
وفي ظل تعرض الحرس الثوري لخسائر كبيرة في قياداته، فإن الأولوية تبدو متمثلة في إعادة بناء سلسلة القيادة وضمان استمرارية المؤسسة الأكثر تأثيرا في السياسة الدفاعية والأمنية للبلاد.
كما يعزز تعيين علي عبد اللهي رئيسا لهيئة أركان القوات المسلحة الاتجاه نفسه. فقد سبق لعبد اللهي أن ترأس مقر خاتم الأنبياء المركزي، الذي ينسق العمليات بين مختلف أفرع القوات الإيرانية، ما يمنحه خبرة مباشرة في إدارة المنظومة العسكرية ككل.
وتزداد أهمية هذا المنصب في ظل الحاجة إلى تنسيق أكبر بين الجيش النظامي والحرس الثوري، خصوصا بعد الحرب والخسائر التي تعرضت لها القيادات العسكرية.
ومن شأن وجود شخصية ذات خلفية عملياتية في هذا الموقع أن يساعد القيادة الإيرانية على توحيد آليات اتخاذ القرار العسكري والاستعداد لسيناريوهات تصعيد جديدة.
ولا تنفصل هذه التعيينات عن التحولات التي طرأت على علاقة طهران بواشنطن. فبعد انتهاء مهلة الستين يوما المخصصة للتوصل إلى اتفاق، بات مستقبل المسار الدبلوماسي أكثر غموضا.
وبينما كان رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف يُنظر إليه باعتباره من الأصوات الأقل تشددا التي يمكن أن تلعب دورا في المحادثات، فإن تعزيز مواقع صقور المؤسسة الأمنية قد يضيق مساحة المناورة أمام الاتجاهات التي تراهن على التفاوض.
اختيار صقور الحرس القديم يعني أن المرشد الجديد يريد أن يبدأ عهده بتثبيت قبضة النظام، وترميم منظومته الأمنية، والاستعداد لمرحلة لا تستبعد فيها طهران عودة المواجهة المباشرة مع واشنطن.
وهنا تكمن الرسالة الأوسع التي تحملها قرارات مجتبى خامنئي: إيران لا تبني سياستها الأمنية على افتراض أن المواجهة مع الولايات المتحدة ستنتهي قريبا، وإنما تستعد لاحتمال استمرارها وتوسعها. فالعودة إلى شخصيات ارتبطت تاريخيا بالحرس الثوري والحروب السابقة تشير إلى أن الخبرة العسكرية والأمنية أصبحت، في المرحلة الراهنة، أكثر أهمية من الرهان على أدوات التهدئة السياسية.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن طهران أغلقت الباب أمام الدبلوماسية. فالنظام الإيراني لطالما جمع بين أدوات التفاوض والضغط العسكري، واستخدم القوة الأمنية والعسكرية لتحسين موقعه التفاوضي. غير أن إعادة توزيع المناصب الحالية توضح أن أي مفاوضات مستقبلية ستجري من موقع أكثر تشددا، مع منح المؤسسات العسكرية والأمنية نفوذا أكبر في تحديد سقف التنازلات الممكنة.
كما أن هذه التعيينات تعكس هاجسا آخر لدى القيادة الجديدة، يتمثل في الحفاظ على تماسك النظام من الداخل. فالحرب أظهرت هشاشة بعض ترتيبات القيادة، فيما يمكن أن يؤدي الضغط الاقتصادي والعقوبات إلى زيادة الاحتقان الشعبي.
ولذلك، يبدو أن مجتبى خامنئي يريد أن يضمن وجود شخصيات ذات خبرة وولاء في المواقع القادرة على إدارة التهديدين الخارجي والداخلي في الوقت نفسه.
وبذلك، فإن إعادة تدوير صقور الحرس الثوري لا تبدو مجرد عودة إلى الماضي، وإنما محاولة لتوظيف خبرة جيل سابق في مواجهة تحديات أكثر تعقيدا. فالشخصيات التي عاشت الحرب العراقية الإيرانية أو أدارت أجهزة الأمن خلال موجات الاحتجاج السابقة تعود اليوم إلى مواقعها في وقت تواجه فيه إيران الولايات المتحدة وإسرائيل تحت ظروف مختلفة، لكن بمنطق أمني يرى أن بقاء النظام يتطلب الاستعداد المستمر للمواجهة.
وتشير تركيبة القيادة الجديدة في نهاية المطاف إلى أن إيران تتجه نحو مرحلة أكثر تشددا، يكون فيها الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية في قلب عملية صنع القرار.
وبينما يبقى المسار الدبلوماسي قائما، فإن طهران تبدو وكأنها تعيد بناء قدرتها على خوض صراع طويل، داخليا وخارجيا، معتمدة على رجال ترى فيهم ضمانة للاستمرارية والردع.
ومن هذه الزاوية، فإن قرارات مجتبى خامنئي الأولى تكشف ملامح سياسته أكثر مما تكشف أسماء شاغلي المناصب. فاختيار صقور الحرس القديم يعني أن المرشد الجديد يريد أن يبدأ عهده بتثبيت قبضة النظام، وترميم منظومته الأمنية، والاستعداد لمرحلة لا تستبعد فيها طهران عودة المواجهة المباشرة مع واشنطن. إنها رسالة مفادها أن إيران الجديدة، تحت قيادة مجتبى خامنئي، لا تستعد للسلام بقدر ما تستعد لإدارة صراع طويل بأدوات أكثر صلابة.