إفراج سريع عن قس كردي في سوريا لتجنب التصعيد الدولي والكنسي
دمشق- أعلنت مصادر كنسية ورسمية في الأيام الأخيرة عن إطلاق السلطات السورية في الحكومة الانتقالية سراح القس الإنجيلي الكردي نهاد حسن، بعد نحو أسبوعين من اعتقاله في منطقة عفرين شمال غرب سوري، ليضع حداً لقضية أثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط المسيحية والكردية والإعلامية، نظراً لخلفيتها المرتبطة بحرية التعبير والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأثارت القضية تساؤلات أعمق حول طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا بعد التغييرات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد منذ أواخر عام 2024. ففي ظل حكومة انتقالية تسعى إلى بناء مؤسسات جديدة وتعزيز السلم الأهلي، يبرز التحدي المتعلق بالتوفيق بين حماية حرية التعبير والاعتقاد من جهة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومنع الخطاب الذي قد يُفسر على أنه تحريض طائفي أو ديني من جهة أخرى.
ويُعد القس نهاد حسن، المولود عام 1980 والمنحدر من قرية كوردان (غوردا) التابعة لناحية جنديرس في ريف عفرين، شخصية دينية معروفة في الأوساط الإنجيلية الكردية. اعتنق المسيحية عام 2008، وانتقل لاحقاً إلى لبنان حيث يقيم في بيروت ويعمل راعياً للكنيسة الإنجيلية الكردية هناك. وخدم لسنوات طويلة بين الجاليات الكردية المسيحية، بما في ذلك المهجرين من سوريا والذين تحولوا من خلفيات إسلامية، وشارك في أنشطة دينية واجتماعية تركز على الدعم الروحي والإنساني للمتضررين من النزاعات.
ووفقاً لروايات متطابقة من مصادر كنسية ومسؤولين محليين، وصل القس حسن إلى قريته في عفرين يوم 19 يوليو 2026 برفقة عائلته، قادماً من لبنان، وكان ينوي الاستقرار بشكل دائم في المنطقة بعد زيارات متكررة سابقة. غير أن قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية أوقفته سريعاً، ونُقل إلى سجن معراتة في ريف عفرين.
وعفرين، ذات الغالبية الكردية والتاريخ المعقد من النزاعات والتهجير، تمثل نموذجاً حساساً لهذه التوازنات، خاصة مع وجود مكونات دينية وإثنية متعددة.
وأشار مسؤول سوري محلي إلى أن الاعتقال جاء على خلفية منشورات على حساب فيسبوك يحمل اسمه، وُصفت بأنها تتضمن "تحريضاً دينياً" أو "إثارة للكراهية الدينية"، ويبدو أن أحدها كان موجهاً ضد المسلمين، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر رسمية.
وأكدت الكنيسة الكردية الإنجيلية في بيروت في بيان رسمي صدر بعد الاعتقال مباشرة أن القس أُوقف بسبب منشورات منسوبة إليه على وسائل التواصل، وطالبت السلطات السورية بالإفراج الفوري عنه. نفت الكنيسة ادعاءات أخرى حول اعتقال زوجته أو تفاصيل إضافية غير مؤكدة، داعية إلى الاعتماد على مصادرها الرسمية فقط.
وأُحيلت القضية لاحقاً إلى الجهات القضائية في حلب، وتحديداً قسم الجرائم الإلكترونية، بحسب مصادر محلية، وسط توقعات بمثوله أمام المحكمة.
وجاء الإفراج بعد تدخلات كنسية، أبرزها من كنيسة اللاتين في حلب والمطران حنا جلوف، وفق ما أفادت مصادر خاصة في عفرين. ووقع القس تعهدًا بعدم تكرار نشر محتويات مشابهة للمنشورات التي نُسبت إليه، ثم أُخلي سبيله وأُعيدت إليه متعلقاته الشخصية وسيارته.
وأوضح مسؤول كنسي في لبنان، طلب عدم الكشف عن هويته، أن القس "أُفرج عنه مساء أمس 3 أغسطس"، وأنه "سيعود إلى لبنان لأن البقاء في سوريا يشكل خطراً عليه وعلى عائلته".
وتعكس الحادثة استمرار الحساسية العالية تجاه المحتوى الديني على وسائل التواصل في بيئة ما بعد الصراع. المنشورات التي أدت إلى الاعتقال، والتي يعود بعضها بحسب بعض التقارير إلى فترات سابقة، أُعيد تفعيلها أو الإبلاغ عنها بعد عودة القس، مما يشير إلى دور الشكاوى المحلية في تحريك الأجهزة الأمنية.
ويقول مراقبون إنه يُحسب للسلطات أنها أفرجت عنه بعد فترة قصيرة نسبياً ودون محاكمة مطولة، بعد تعهد كتابي، وهو ما يُفسر على أنه محاولة لتجنب تصعيد دولي أو كنسي حول قضايا الحريات الدينية.
ويأتي هذا في سياق أوسع يشهد محاولات الحكومة الانتقالية لإدارة ملفات المعتقلين والحقوق، وسط ضغوط من منظمات حقوقية وكنائس ومجتمعات محلية.
وسبق أن شهدت مناطق أخرى إفراجات عن معتقلين في إطار ما يُوصف بمسار العدالة الانتقالية، لكن قضايا التعبير عن الرأي عبر الإنترنت تظل نقطة توتر محتملة.
وبالنسبة للجاليات المسيحية الكردية، التي عانت تاريخياً من التهميش والنزوح، يمثل مثل هذا الحدث تذكيراً بالهشاشة التي لا تزال قائمة، حتى في ظل الوعود بالتعددية والاعتراف بالحقوق.
من جانب آخر، يرى بعض المحللين أن التعامل السريع مع القضية، بما في ذلك التدخل الكنسي والنتيجة السلمية، قد يعكس رغبة السلطات في إظهار مرونة تجاه المكونات الأقلية، خاصة في مناطق مثل عفرين التي تخضع لترتيبات أمنية وإدارية معقدة. غير أن اشتراط التوقيع على تعهد بعدم التكرار يثير نقاشاً حول مدى ضمان حرية التعبير الحقيقية، وهل سيكون مثل هذا النهج معياراً في قضايا مماثلة مستقبلاً.