إعلان مراكش 2016 يؤسس أرضية متماسكة للعيش المشترك

إعلان مراكش أعاد إلى الفكر الديني الإسلامي حيويته الاجتهادية، إذ ربط بين النص والمقصد، بين الإيمان والحق الإنساني، فحوّل "التعايش" من شعار إلى مبدأ فقهي له جذور في القرآن والسنة.
الثلاثاء 2025/10/28
ربط متين بين النص والمقاصد

الرباط – يمثل إعلان مراكش الصادر سنة 2016 برعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس وتنظيم منتدى أبوظبي للسلم بإشراف العلامة الشيخ عبدالله بن بية أول تأسيس إسلامي عصري لمقاربة تجعل من الأقليات شريكا مواطنيا في بناء الدولة، كما أسس لأرضية مشتركة تجعل الاختلاف الديني والعرقي والطائفي عناصر أساسية في العيش المشترك دون تمييز أو تبجيل لأكثرية على حساب أقلية أو لانتماء ديني على حساب الآخر.

وما يميز إعلان مراكش عن غيره من الوثائق والمبادرات أنه جاء كاجتهاد تأصيلي من داخل النصوص الشرعية لمواجهة ظاهرة التطرف والعنف الديني التي ظهرت بشكل كبير في تلك الفترة وتستند إلى قراءات وتأويلات متطرفة للدين. لقد جاء الإعلان كنص ظرفي لمواجهة ظاهرة التطرف، وفي نفس الوقت نص عميق يصلح للمستقبل ويؤسس للعيش المشترك في الدول التي تتسم بتعدد المكونات الدينية والعرقية.

ما يميز إعلان مراكش عن غيره من الوثائق والمبادرات أنه جاء كاجتهاد تأصيلي من داخل النصوص الشرعية لمواجهة ظاهرة التطرف والعنف الديني

وفي يونيو الماضي، وصف الشيخ المحفوظ بن بيه إعلان مراكش بأنه وثيقة مفصلية في مسار ترسيخ مبادئ المواطنة الكاملة والتعددية الدينية ضمن الدولة الوطنية المعاصرة.

وأشار خلال مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي في العاصمة الإيطالية إلى أن الإعلان مثّل لحظة فارقة في علاقة الدولة بالمكوّنات الدينية المختلفة، مستندًا إلى نصوص واضحة من الشريعة الإسلامية وإرث العهد النبوي، داعيا إلى إعادة إحياء مبدأ المواطنة العادلة التي تساوي بين جميع المواطنين دون تمييز ديني أو عرقي.

وأكد أن إعلان مراكش يُعد أول إحياء مؤسسي وتاريخي لوثيقة المدينة المنورة، التي صاغها النبي محمد ﷺ، واعتُبرت أول دستور مدني للدولة الإسلامية الناشئة، حيث نظّمت العلاقة بين مكوّنات المجتمع على أسس من التعاون والعدالة وضمان الحقوق والسلم الأهلي. وقد استلهم إعلان مراكش هذا النموذج النبوي ليضع إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا لحماية الأقليات الدينية في المجتمعات الإسلامية.

وفي سياق كلمته، استحضر الشيخ المحفوظ الرسالة السامية التي وجّهها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى المشاركين في مؤتمر مراكش، والتي جاء فيها: “لا يجوز توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية”.واعتبرها مرجعية أخلاقية وسياسية واضحة، تُشكّل سدًا منيعًا أمام توظيف الدين في الإقصاء والتمييز، وتفتح آفاقا رحبة لبناء مجتمعات عادلة قائمة على الكرامة والاحترام المتبادل.

كما استشهد بكلمة الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم، خلال افتتاح المؤتمر ذاته، حيث قال: “إننا اليوم لا ننتج فتوى فقهية، بل نصوغ رؤية حضارية مستلهمة من المقاصد العليا للإسلام، ومبنية على أسس شرعية وتاريخية راسخة. نحن نستخرج من النصوص الإسلامية مبادئ تصلح لبناء سلم أهلي ومواطنة عادلة للجميع.”

إعلان مراكش يُعد أول إحياء مؤسسي وتاريخي لوثيقة المدينة المنورة، التي صاغها النبي محمد ﷺ، واعتُبرت أول دستور مدني للدولة الإسلامية الناشئة

وأوضح الأمين العام لمنتدى أبوظبي للسلم أن ما يميز إعلان مراكش لا يقتصر على مضامينه المتقدمة، بل في كونه ثمرة تعاون مؤسساتي رفيع المستوى جمع بين مرجعيات دينية وحكومات معتدلة، ما أكسبه مصداقية عالية واهتمامًا متزايدًا من قبل المنظمات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان، وتم اعتماده كمرجع في عدد من المبادرات العالمية والسياسات المرتبطة بحرية الدين والمعتقد.

ويقول عبد الله بوصوف في تقرير له على موقع هسبرس المغربي إن إعلان مراكش أعاد إلى الفكر الديني الإسلامي حيويته الاجتهادية، إذ ربط بين النص والمقصد، بين الإيمان والحق الإنساني، فحوّل “التعايش” من شعار إلى مبدأ فقهي له جذور في القرآن والسنة؛ كما نقل النقاش من فكرة “التسامح” التي تفترض تفوّقًا ضمنيًا للأغلبية، إلى مفهوم “المواطنة” التي تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات.

وأشار إلى وثيقة “نوسترا إيتاتي”التي أقرها الفاتيكان قبل 60 عاما ظلت تتحدث عن “قبول الآخر” دون أن تذهب إلى حدّ المساواة العقائدية أو السياسية، إذ اكتفى الفاتيكان بالاعتراف بأنّ في الأديان الأخرى بذورًا من الحقيقة، في حين أن الفكر الإسلامي في إعلان مراكش اعتبر التعددية إرادة إلهية، مستشهدًا بالآية: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”.

وخلال مشاركته في فعاليات مؤتمر 2016، قال رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية في بيروت إن التطرف والإرهاب ناتجان عن عدم توصيل أصول الدين والشريعة الصحيحة، حيث لا بد من نشر ثقافة التسامح الإسلامية بين الشباب للحفاظ على الهوية الإسلامية الصحيحة.