إعلانات فضفاضة تُفرغ مسار ضبط سلاح الميليشيات العراقية من محتواه

كيف لعصائب أهل الحق أن تُضبَط وزعيمها صانع قرار في الدولة.
الخميس 2026/06/04
وجود ظاهر على الأرض وجذور ضاربة في عمق الدولة

العراق لا يزال بعيدا عن تحقيق احتكار الدولة الكامل للقوة المسلحة. والإعلانات السياسية الأخيرة قد تمنح الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس وتخفيف الضغوط الخارجية، لكنها لا تمثل حتى الآن تحولا جذريا في بنية المشهد الأمني.

بغداد- تتزايد الشكوك في الأوساط السياسية والأمنية العراقية بشأن قدرة الحكومة على تحويل الإعلانات الأخيرة الصادرة عن عدد من الفصائل المسلحة بشأن فك ارتباطها بمرجعياتها السياسية والعقائدية ووضع نفسها تحت تصرف الدولة إلى خطوة فعلية تؤدي إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج المؤسسات الرسمية. ويرى مراقبون أن ما يجري حتى الآن لا يتجاوز كونه إعادة تموضع تنظيمي وسياسي لبعض الفصائل، أكثر من كونه عملية تفكيك حقيقية للبنية الميليشياوية التي تشكلت خلال العقدين الماضيين وأصبحت جزءا من معادلة السلطة والنفوذ في البلاد.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ضغوطا متزايدة لإثبات جديتها في تنفيذ أحد أبرز تعهداتها، والمتمثل في حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء ازدواجية القرار الأمني. إلا أن تعقيدات المشهد العراقي تجعل هذا الهدف من أكثر الملفات حساسية، نظرا إلى تشابك المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية للفصائل المسلحة مع بنية النظام القائم نفسه.

ويرى متابعون أن القرارات الأخيرة قد توفر للحكومة متنفسا سياسيا مؤقتا، سواء على المستوى الداخلي أو في مواجهة الضغوط الأميركية المتواصلة، لكنها لا تعني بالضرورة أن الفصائل المسلحة تخلت فعلا عن استقلاليتها أو عن مصادر قوتها ونفوذها. فالولايات المتحدة لا تزال تؤكد في رسائلها المعلنة وغير المعلنة أن المطلوب ليس فقط إعادة تصنيف هذه الجماعات أو دمجها شكليا داخل مؤسسات الدولة، وإنما تفكيك هياكلها العسكرية وإبعادها عن مراكز القرار السياسي والأمني.

وسرعان ما ظهرت التناقضات التي تحيط بمسار “حصر السلاح” مع إعلان حركة عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي فك ارتباطها بالحشد الشعبي وإخضاع جميع عناصرها وإمكاناتها لسلطة القائد العام للقوات المسلحة. فالحشد الشعبي، وفقا للرواية الرسمية العراقية، مؤسسة أمنية حكومية تتبع الدولة وتمول بالكامل من الموازنة العامة، ما يثير تساؤلات حول معنى فك الارتباط بمؤسسة يفترض أنها أصلا جزء من المنظومة الرسمية.

ويعتبر مراقبون أن هذه المفارقة تكشف جانبا من الطبيعة الرمزية للخطوة، إذ يبدو الأمر وكأن الفصيل ينتقل من إطار رسمي إلى إطار رسمي آخر دون أن يتخلى فعليا عن بنيته التنظيمية أو عن قيادته أو عن شبكات النفوذ التي راكمها خلال سنوات طويلة. ويضيف هؤلاء أن الهدف الأهم قد يكون توفير غطاء سياسي وقانوني للفصائل المسلحة في مواجهة الضغوط الخارجية، أكثر من كونه استجابة فعلية لمطلب احتكار الدولة للسلاح.

تنفيذ قرارات فك ارتباط الفصائل بقادتها الأصليين لن يتعدّى مجرّد تغيير أزياء أفرادها وتحميل الدولة نفقة ذلك

كما أن خطوة العصائب تحمل أبعادا سياسية تتجاوز الجانب الأمني. فالحركة تعد إحدى القوى الأساسية داخل الإطار التنسيقي الشيعي الذي يمسك بمفاصل السلطة التنفيذية والتشريعية، ويؤدي قيس الخزعلي دورا مؤثرا في معادلة صنع القرار. ومن ثم فإن أي إعادة ترتيب لوضع الحركة ينبغي فهمها أيضا في سياق المحافظة على موقعها داخل النظام السياسي، وليس فقط في إطار العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.

الأمر ذاته ينطبق بدرجة ما على قرار زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر المتعلق بسرايا السلام. فالقرار قُدم بوصفه خطوة باتجاه إخضاع التشكيل المسلح للدولة، غير أن الجدل الذي أثاره أعاد إلى الواجهة حقيقة أن السرايا سبق أن أُعلن حلها أكثر من مرة، سواء عام 2017 أو عام 2019. وهو ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن مدى واقعية القرارات الجديدة إذا كانت القرارات السابقة لم تؤد إلى إنهاء وجود التشكيل أو تفكيك بنيته التنظيمية.

ويذهب بعض السياسيين إلى أن أقصى ما يمكن أن تسفر عنه هذه الإجراءات هو تغيير الصفة الإدارية أو الزي الرسمي لعناصر الفصائل، بينما تبقى شبكات الولاء والانضباط الداخلي على حالها. فالعلاقة التي تربط المنتسبين بقادتهم التاريخيين لا يمكن إلغاؤها بقرار إداري أو مرسوم حكومي، خاصة في ظل الطبيعة العقائدية والتنظيمية لهذه التشكيلات.

وفي هذا السياق يلفت مراقبون إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسجيل المقاتلين ضمن مؤسسة رسمية أو إخضاع رواتبهم للدولة، بل في ضمان أن تكون أوامرهم العسكرية والسياسية صادرة حصرا عن القيادة الرسمية. فالقضية تتعلق بمراكز القرار الفعلية أكثر مما تتعلق بالأطر القانونية أو الإدارية.

وتعزز تصريحات قادة الفصائل أنفسهم هذه الشكوك. فقد أكد فراس ياسر، عضو المكتب السياسي لحركة النجباء، أن ما يجري لا يمس جوهر ما تسميه الفصائل “سلاح المقاومة”، معتبرا أن الحديث عن فصل الارتباطات السياسية ليس جديدا لأن الحشد الشعبي مرتبط أساسا بالقائد العام للقوات المسلحة. ووصف الجدل الدائر حول تسليم السلاح بأنه مجرد إعادة إحياء لقضايا مطروحة منذ سنوات.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها صدرت عن أحد الفصائل التي أُدرج اسمها ضمن الجهات التي أعلنت استعدادها لوضع نفسها تحت تصرف الدولة. فبينما يجري الترويج لعملية اندماج أو تسليم للسلاح، تأتي التصريحات الميدانية والسياسية لتؤكد أن الفصائل لا ترى نفسها ملزمة بالتخلي عن ترسانتها أو عن عقيدتها القتالية.

وكان الموقف أكثر وضوحا في تصريحات كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء، الذي أكد أن فصيله لن يسلم سلاحه وسيبقى خارج إطار عمل الحكومة، مبررا ذلك باستمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق. ويعكس هذا الموقف أحد أبرز التحديات التي تواجه مشروع حصر السلاح، إذ تربط بعض الفصائل استمرار تسلحها ببقاء ما تعتبره تهديدات خارجية أو احتلالا أجنبيا، ما يجعل قرار التخلي عن السلاح مرتبطا بحسابات إقليمية وإستراتيجية تتجاوز سلطة الحكومة العراقية نفسها.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العراق لا يزال بعيدا عن تحقيق احتكار الدولة الكامل للقوة المسلحة. فالإعلانات السياسية الأخيرة قد تمنح الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس وتخفيف الضغوط الخارجية، لكنها لا تمثل حتى الآن تحولا جذريا في بنية المشهد الأمني. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت بغداد قادرة في المستقبل على الانتقال من مرحلة إعادة تنظيم الفصائل إلى مرحلة تفكيكها فعليا وإخضاع قرار السلاح بشكل كامل لمؤسسات الدولة، أم أن ما يجري ليس سوى إعادة إنتاج للمعادلة القديمة بصيغة جديدة تضمن استمرار النفوذ الميليشياوي داخل إطار رسمي أكثر قبولا محليا ودوليا.

2