إسرائيل تضرب قيادة حماس في خان يونس

اغتيال قائد اللواء يفتح مجدداً سؤال قدرة الحركة على إعادة بناء وحداتها رغم الضربات المتواصلة.
الجمعة 2026/09/11
استهداف القيادات الميدانية بالنسبة إلى إسرائيل وسيلة للضغط العسكري على حركة حماس

غزة - تعيد عملية اغتيال قائد لواء خان يونس في «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة حماس، تسليط الضوء على واحدة من أكثر المسائل تعقيداً في الحرب الدائرة في قطاع غزة، وهي قدرة الحركة على إعادة تشكيل بنيتها العسكرية وتعويض القيادات التي تفقدها تحت الضربات الإسرائيلية.
ويقول الجيش الإسرائيلي إن محمد اليازوري، الذي أعلن مقتله الجمعة، كان مسؤولاً عن التخطيط لعشرات الهجمات ضد القوات الإسرائيلية، كما لعب دوراً في إعادة بناء لواء خان يونس بعد أن تعرض لضعف كبير خلال الحرب.

ولا تبدو أهمية الاغتيال، وفق الرواية الإسرائيلية، مرتبطة فقط بمكانة اليازوري القيادية، وإنما بالدور الذي نسب إليه في إعادة تنظيم إحدى الوحدات الرئيسية في جنوب القطاع. ويقول الجيش إن الحركة تمتلك خمسة ألوية في غزة، ما يجعل استهداف قيادة أحدها جزءاً من عمليات مستمرة تستهدف البنية التنظيمية والعسكرية لحماس.

وتشير هذه المعطيات إلى أن المعركة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض أو تنفيذ العمليات العسكرية، وإنما حول قدرة كل طرف على الحفاظ على بنيته التنظيمية في ظل حرب طويلة. فإسرائيل تسعى إلى إضعاف الوحدات المقاتلة عبر استهداف القيادات والكوادر، بينما تحاول حماس الحفاظ على قدر من التماسك يسمح لها بإعادة توزيع الأدوار وتعويض الخسائر.

ويكتسب لواء خان يونس أهمية خاصة بسبب موقع المنطقة في جنوب قطاع غزة، وبسبب ارتباطها تاريخياً بجزء من النشاط العسكري لحماس. ولذلك فإن استهداف قائده يعكس استمرار التركيز الإسرائيلي على القيادات الميدانية التي ترى أنها قادرة على إعادة تنشيط الوحدات التي تضررت خلال العمليات السابقة.

وبحسب الجيش الإسرائيلي، كان اليازوري مسؤولاً عن التخطيط لهجمات ضد الجنود الإسرائيليين، كما اعتبرته القوة المحركة وراء إعادة بناء لواء خان يونس. وتبقى هذه التفاصيل، كما هو الحال مع البيانات العسكرية الصادرة خلال الحرب، جزءاً من الرواية الإسرائيلية للعملية، في ظل صعوبة التحقق المستقل من بعض المعلومات الميدانية داخل القطاع.

ولا يقتصر استهداف القيادات على قطاع غزة وحده. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أيضاً مقتل مقاتل آخر من الجناح العسكري لحماس الأربعاء، وقال إنه كان قد شغل سابقاً دوراً قيادياً في مقر الحركة بالضفة الغربية. ويعكس ذلك استمرار تركيز إسرائيل على القيادات التي تربط بين البنية العسكرية في غزة والشبكات التنظيمية للحركة خارج القطاع.

اليازوري كان مسؤولاً عن التخطيط لعشرات الهجمات ضد القوات الإسرائيلية، كما لعب دوراً في إعادة بناء لواء خان يونس بعد الحرب

لكن السؤال الأوسع الذي تطرحه هذه العمليات يتعلق بجدوى استهداف القيادات في إضعاف التنظيم على المدى الطويل. فالخبرة التي راكمتها الحركات المسلحة في المنطقة تشير إلى أن فقدان القادة قد يربك الهياكل الميدانية ويؤثر في القدرة على التخطيط والتنفيذ، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار التنظيم، خصوصاً عندما تكون لديه بنية تسمح بإعادة توزيع المسؤوليات.

ومن هنا تبدو إعادة بناء لواء خان يونس، التي تحدث عنها الجيش الإسرائيلي، ذات دلالة تتجاوز شخصية قائده. فإذا صحت الرواية الإسرائيلية، فإن قدرة الحركة على إعادة تنظيم الوحدة بعد تعرضها لضربات قوية تعني أن المعركة على البنية العسكرية لحماس لم تنته باستهداف القيادات السابقة، وأن إسرائيل تواجه عملية متواصلة من الاستهداف وإعادة البناء.

وتفرض هذه المعادلة نفسها في ظل استمرار الحرب وما خلفته من خسائر واسعة في صفوف حماس وتدمير كبير للبنية التحتية في قطاع غزة. فكلما طال أمد المواجهة، أصبحت قدرة التنظيم على الاحتفاظ بحد أدنى من القيادة والسيطرة وإعادة توزيع الكوادر عاملاً مهماً في تحديد شكل العمليات المقبلة.

في المقابل، يمثل استهداف القيادات الميدانية بالنسبة إلى إسرائيل وسيلة لإبقاء الضغط العسكري على الحركة ومنعها من استعادة قدراتها. لكن استمرار هذا المسار يضع العملية العسكرية أمام معادلة صعبة: تحقيق مكاسب تكتيكية متتالية من خلال تصفية القادة لا يعني بالضرورة تحقيق نتيجة استراتيجية ما لم تترافق الضربات مع ترتيبات سياسية وأمنية قادرة على منع إعادة تشكل البنية المسلحة.

ويبرز هنا الفرق بين إضعاف القيادة وتعطيل التنظيم. فقد يؤدي غياب قائد ميداني إلى اضطراب في وحدة عسكرية أو تأخير عملياتها، لكن قياس أثر ذلك يحتاج إلى متابعة ما إذا كانت الحركة قادرة على تعويض القائد وإعادة تشغيل الوحدة التي كان يقودها.

وتحمل عملية خان يونس، بهذا المعنى، أهمية تتجاوز إعلان مقتل قائد عسكري. فهي تقدم اختباراً جديداً لمسار متواصل منذ بداية الحرب: إسرائيل تحاول تقليص قدرة حماس على إعادة بناء وحداتها، والحركة تحاول الحفاظ على بنيتها التنظيمية رغم استهداف قياداتها ومراكزها الميدانية.

ويبقى أثر العملية مرتبطاً بما سيحدث داخل لواء خان يونس خلال المرحلة المقبلة. فإذا أدى فقدان اليازوري إلى تعطيل قدرة اللواء على العمل وإعادة التنظيم، فقد تكون الضربة حققت هدفاً ميدانياً مهماً. أما إذا تمكنت الحركة من تعويضه والحفاظ على تماسك الوحدة، فإن العملية ستنضم إلى سلسلة طويلة من عمليات استهداف القيادات التي لم تحسم بعد السؤال الأساسي حول قدرة حماس على إعادة إنتاج بنيتها العسكرية.

وبذلك تدخل المواجهة مرحلة أكثر ارتباطاً بإدارة الخسائر واستعادة القدرة على التنظيم، وليس فقط بحجم الضربات. فاستهداف قائد جديد قد يغير موازين العمل داخل وحدة عسكرية، لكن اختبار النتيجة الحقيقية يبدأ بعد الاغتيال، عندما يتضح ما إذا كان التنظيم قادراً على سد الفراغ الذي خلفه.