إسرائيل ترفض الانسحاب من غزة.. هل تتعثر خطة ترامب مجدداً؟
غزة- تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة اختباراً جديداً، بعدما أعلنت إسرائيل رفضها الانسحاب من القطاع قبل نزع سلاح حركة حماس بشكل كامل، في موقف يعيد إلى الواجهة الخلافات بشأن المرحلة التالية من وقف إطلاق النار ومستقبل القطاع، ويهدد بإعادة المسار السياسي إلى دائرة التعطيل.
ويأتي الموقف الإسرائيلي بعد طرح مجلس السلام التابع لترامب خطة مؤلفة من 15 بنداً بشأن غزة، قالت إسرائيل إنها رفضتها، في وقت كان الرئيس الأميركي قد أعلن خلال الشهر الماضي إحراز تقدم في مساعيه لإنهاء الحرب، مستنداً إلى تفاهمات وافقت عليها إسرائيل وحماس وبدأ تنفيذها عبر وقف لإطلاق النار.
لكن التطورات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الانتقال من وقف القتال إلى تسوية مستدامة لا يزال محفوفاً بالعقبات. فبينما تعتبر الإدارة الأميركية أن إنهاء الحرب يتطلب تثبيت التهدئة والانتقال إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، تصر الحكومة الإسرائيلية على أن أي انسحاب من غزة لا يمكن أن يتم قبل تحقيق هدف تعتبره أساسياً، وهو إنهاء القدرات العسكرية لحماس ونزع سلاحها.
ويمثل تمسك بنيامين نتنياهو بنزع سلاح حماس بالكامل جوهر المعضلة الحالية. فالحكومة الإسرائيلية ترى أن الانسحاب من القطاع من دون ضمانات أمنية واضحة قد يسمح للحركة بإعادة بناء قدراتها، وبالتالي يعيد إنتاج الظروف التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبذلك، لا تتعامل إسرائيل مع الانسحاب باعتباره مجرد بند تفاوضي يمكن تنفيذه في إطار مراحل متتابعة، وإنما تربطه بتحقيق نتيجة أمنية محددة. وهذا الشرط قد يصطدم بأي تصور أميركي يقوم على تسريع الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار وترتيبات الحكم والأمن في غزة.
وفي المقابل، فإن مطالبة حماس بإلقاء السلاح، كما أعلن ترامب، تضع الحركة أمام استحقاق بالغ الحساسية، خصوصاً أن سلاحها يمثل أحد أبرز عناصر قوتها ونفوذها داخل القطاع. ومن ثم فإن تحويل هذا التعهد إلى خطوات عملية وآلية قابلة للتنفيذ سيحتاج إلى تفاهمات دقيقة بشأن الضمانات والجهة التي ستتولى الأمن في غزة.
وكان ترامب قد قدم خطته باعتبارها إطاراً لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة في غزة. إلا أن استمرار الخلاف حول الانسحاب ونزع السلاح يكشف أن الإعلان عن التقدم السياسي لا يعني بالضرورة وجود توافق كامل بين الأطراف.
وتكمن الصعوبة بالنسبة إلى واشنطن في أن نجاح الخطة يتطلب تقريب مواقف حليفتها إسرائيل من جهة، وإقناع حماس بالالتزامات الأمنية والسياسية من جهة أخرى. وإذا بقيت إسرائيل متمسكة بعدم الانسحاب إلى حين نزع سلاح الحركة بالكامل، فقد يصبح تنفيذ بقية بنود الخطة معلقاً على تحقيق شرط يبدو في غاية الصعوبة عملياً.
الأزمة تكشف أن التحدي الأكبر أمام خطة ترامب ليس إعلان المبادئ، وإنما تحويلها إلى ترتيبات ملزمة وقابلة للتنفيذ.
كما أن استمرار الضربات الإسرائيلية على غزة منذ الموافقة على وقف إطلاق النار يضيف بعداً آخر إلى الأزمة، إذ يضعف الثقة المطلوبة لإنجاح أي ترتيبات طويلة الأمد. وكلما استمرت العمليات العسكرية، زادت صعوبة الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية.
وتتجاوز الأزمة مسألة السلاح إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل غزة بعد الحرب. فمن سيحكم القطاع؟ ومن سيتولى الأمن؟ وما طبيعة الوجود الإسرائيلي في المرحلة الانتقالية؟ ومن سيشرف على إعادة الإعمار؟ وكيف سيتم ضمان ألا تتحول غزة مجدداً إلى ساحة مواجهة؟.
وتجعل هذه الأسئلة الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من معادلة أكبر، وليس مجرد إجراء عسكري. فإسرائيل تريد ضمانات أمنية تمنع عودة حماس إلى بناء قوتها، بينما تحتاج خطة ترامب إلى ترتيبات تسمح بإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي وبدء مرحلة سياسية جديدة.
ومن هنا، فإن تمسك نتنياهو بموقفه قد يضع الإدارة الأميركية أمام مهمة أصعب من مجرد إقناع حماس بالتخلي عن السلاح؛ إذ سيكون عليها أيضاً التوفيق بين الرؤية الإسرائيلية للأمن وبين هدفها المعلن بإنهاء الحرب.
ويبقى احتمال التعثر قائماً ما لم يتم التوصل إلى صيغة وسط تربط نزع السلاح بترتيبات تدريجية للانسحاب، مع توفير ضمانات أمنية لإسرائيل وآلية واضحة لتنفيذ الالتزامات من جانب حماس.
وقد يكون الحل في اعتماد مراحل متزامنة، بحيث يقابل كل تقدم في ملف نزع السلاح خطوة إسرائيلية مقابلة في الانسحاب، بالتوازي مع ترتيبات أمنية وإدارية جديدة في القطاع. مثل هذا السيناريو قد يمنح واشنطن مساحة للتحرك ويجنبها الانحياز الكامل إلى أحد طرفي الأزمة.
لكن استمرار الرفض الإسرائيلي بصيغته الحالية يهدد بتحويل خطة ترامب من إطار لإنهاء الحرب إلى جولة جديدة من المفاوضات حول شروط تنفيذها.
وإذا لم تتمكن الإدارة الأميركية من معالجة الخلاف حول الانسحاب، فقد تعود غزة إلى نقطة الصفر: وقف إطلاق نار هش، عمليات عسكرية متقطعة، ومفاوضات لا تنتج تسوية نهائية.
وتكشف الأزمة أن التحدي الأكبر أمام خطة ترامب ليس إعلان المبادئ، وإنما تحويلها إلى ترتيبات ملزمة وقابلة للتنفيذ.
وبينما تريد واشنطن إغلاق ملف الحرب وفتح صفحة جديدة في غزة، يتمسك نتنياهو بمنطق الأمن أولاً، واضعاً نزع سلاح حماس شرطاً سابقاً لأي انسحاب.
وبين الشرط الإسرائيلي والهدف الأميركي، تبدو خطة إنهاء الحرب أمام اختبار جديد قد يحدد ما إذا كانت قادرة على تجاوز العقبات السياسية والأمنية، أم أنها ستتعثر مرة أخرى قبل أن تصل إلى مرحلتها النهائية.