أنبوب أوروبا: خيار العراق لتقليص الارتهان لهرمز
بغداد- لم تعد معادلة أمن النفط العراقي مرتبطة فقط بحجم الاحتياطيات وقدرة البلاد على الإنتاج، وإنما باتت مرتبطة بالسؤال الأكثر حساسية: كيف يصل النفط إلى الأسواق عندما تصبح طرق الملاحة نفسها عرضة للإغلاق أو التهديد؟ من هذه النقطة يمكن قراءة مبادرة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لطرح مسار استراتيجي ينقل النفط العراقي غرباً باتجاه أوروبا، باعتبارها محاولة لإعادة بناء خريطة تصدير أقل اعتماداً على منفذ واحد وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات الإقليمية.
وجاء طرح الزيدي في تحرك عراقي باتجاه أوروبا، مع حديث عن إمكانية نقل النفط عبر مسارات تمر بسوريا وتركيا وصولاً إلى الأسواق الأوروبية، واستهداف أسواق مثل ألمانيا وفرنسا. ويعكس ذلك توجهاً نحو تنويع منافذ تصدير الخام، في وقت أظهرت فيه أزمات مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب أن أي اضطراب طويل في الممرات البحرية يمكن أن يتحول من أزمة أمنية إلى مشكلة مباشرة للدول المنتجة والمستهلكة للطاقة.
بالنسبة إلى العراق، تبدو المسألة أكثر حساسية من مجرد اختيار طريق أقصر أو أرخص. فالنفط يمثل العمود الفقري للإيرادات العامة، ولذلك فإن تعطل الصادرات لا يعني خسارة سوق مؤقتة فحسب، بل يمكن أن يضغط على الموازنة والإنفاق الحكومي والاستثمارات. وكلما اتسعت دائرة المخاطر حول الممرات البحرية، ازدادت الحاجة إلى امتلاك بدائل يمكن تشغيلها في ظروف مختلفة.
◄ مسار بري باتجاه سوريا وتركيا، إذا تحول مستقبلاً إلى مشروع قابل للتنفيذ، يمكن أن يمنح العراق منفذاً إضافياً نحو البحر المتوسط، باتجاه الأسواق الأوروبية
ومن هنا تكتسب فكرة «الطريق الغربي» أهميتها. فمسار بري باتجاه سوريا وتركيا، إذا تحول مستقبلاً إلى مشروع قابل للتنفيذ، يمكن أن يمنح العراق منفذاً إضافياً نحو البحر المتوسط، ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية. لكنه في الوقت نفسه ينقل جزءاً من معادلة أمن التصدير من البحر إلى البر، ويجعل نجاح المشروع مرتبطاً بالاستقرار السياسي والأمني في الدول التي يمر عبرها وبطبيعة الاتفاقات التي ستبرمها بغداد معها.
وتكشف تجربة هرمز وباب المندب تحديداً أن امتلاك النفط لا يكفي لضمان أمن صادراته. فالممرات البحرية التي تبدو مستقرة في الظروف العادية يمكن أن تتحول خلال فترة قصيرة إلى نقاط اختناق تؤثر في حركة ناقلات النفط وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. ولذلك فإن تنويع مسارات التصدير أصبح بالنسبة إلى الدول المنتجة جزءاً من إدارة المخاطر، وليس مجرد خيار اقتصادي لتحسين العائدات.
لكن العراق يواجه هنا مفارقة مهمة. فإذا كان الهدف هو التخلص من «رهينة المنفذ الواحد»، فإن إنشاء أنبوب واحد جديد لا ينبغي أن يتحول إلى رهينة جديدة لمسار يمر عبر دول عدة. ولذلك فإن قيمة المبادرة ستكون أكبر إذا جاءت ضمن استراتيجية أوسع تقوم على تعدد المنافذ، لا على استبدال طريق بآخر.
وتبدو سوريا وتركيا في قلب هذا التصور. فالجغرافيا تمنح المسار الغربي إمكانية الوصول إلى المتوسط، فيما تمتلك تركيا موقعاً مهماً في شبكة الطاقة التي تربط الشرق بالأسواق الأوروبية. غير أن تحويل هذه الجغرافيا إلى ممر نفطي فعلي يحتاج إلى استثمارات كبيرة، واتفاقات عبور طويلة الأجل، وضمانات بشأن حماية المنشآت والأنابيب، إضافة إلى ترتيبات تتعلق برسوم العبور وكميات النفط وطبيعة الأسواق المستهدفة.
◄ القيمة السياسية والاقتصادية لطرح الزيدي لا تكمن في الإعلان عن طريق جديد إلى أوروبا بقدر ما تكمن في نقل النقاش العراقي إلى مستوى آخر
أما سوريا، فتطرح تحدياً أكثر تعقيداً بسبب البعد الأمني والسياسي وإعادة بناء البنية التحتية. وبالتالي فإن الحديث عن مرور النفط العراقي عبر الأراضي السورية ينبغي أن يبقى في إطار المبادرة والبحث عن مسارات، وليس باعتباره مشروعاً جاهزاً للتنفيذ.
وفي المقابل، يمنح التوجه نحو أوروبا بغداد فرصة تتجاوز مجرد فتح منفذ جديد. فأوروبا تحتاج إلى تنويع إمدادات الطاقة، والعراق يحتاج إلى التكنولوجيا والاستثمارات والخبرات لتطوير قطاعه النفطي وخفض الاختناقات في بنيته التحتية. ومن ثم يمكن أن يتحول النفط إلى مدخل لشراكة اقتصادية أوسع إذا نجحت بغداد في تقديم نفسها كمصدر يمكن الوصول إليه عبر أكثر من طريق.
وهذا البعد يبدو مهماً في مبادرة الزيدي؛ فالمطلوب ليس فقط أن يبيع العراق نفطه في أوروبا، وإنما أن يستخدم علاقته بأسواقها لجذب استثمارات وتقنيات تساعده على تطوير قطاع الطاقة. وفي هذه الحالة يصبح مشروع خطوط التصدير جزءاً من إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية بين العراق وأوروبا.
مع ذلك، فإن الطريق من الفكرة إلى الأنبوب طويل. فهناك حاجة إلى دراسات فنية واقتصادية تحدد الكلفة والطاقة الاستيعابية والجدوى مقارنة بالموانئ والمسارات القائمة، فضلاً عن التفاوض مع الدول التي سيمر عبرها الخط وتحديد آليات التمويل والتنفيذ والتشغيل. كما أن أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني طويل الأجل، وهو شرط لا تستطيع بغداد وحدها ضمانه.
ولذلك فإن القيمة السياسية والاقتصادية لطرح الزيدي لا تكمن في الإعلان عن طريق جديد إلى أوروبا بقدر ما تكمن في نقل النقاش العراقي إلى مستوى آخر: أمن صادرات النفط يجب أن يقوم على تعدد الخيارات، لا على الثقة باستمرار طريق واحد.
فأزمات هرمز وباب المندب أظهرت أن الجغرافيا يمكن أن تتحول سريعاً إلى عامل ضغط على أسواق الطاقة. وإذا أراد العراق تقليل تعرضه لهذه الصدمات، فإن امتلاك شبكة من المنافذ والطرق البرية والبحرية قد يكون أكثر أهمية من زيادة طاقة أي منفذ منفرد.
بهذا المعنى، لا يمثل «أنبوب العراق إلى أوروبا» مشروعاً نفطياً فقط، بل اختباراً لقدرة بغداد على تحويل درس الأزمات الإقليمية إلى سياسة طويلة الأمد: نفط عراقي، ومسارات متعددة، وأسواق لا يستطيع اضطراب ممر واحد أن يغلقها جميعاً.