أزمة الخليج تصل إلى بيروت.. المبدعون اللبنانيون يخسرون سوقهم الأهم
بيروت- لأكثر من عقدين، لم تكن دول الخليج بالنسبة إلى قطاع واسع من المبدعين اللبنانيين مجرد أسواق للعمل، بل تحولت إلى مساحة اقتصادية موازية سمحت لمصممين وخبراء تسويق وإعلان واتصالات وفنانين بالحصول على فرص لا يوفرها الاقتصاد اللبناني المضطرب.
لكن الحرب الإقليمية المستمرة منذ نحو ستة أشهر بدأت تضرب هذه العلاقة في نقطة حساسة: الإنفاق على الأفكار والمشاريع الإبداعية.
فمع تصاعد حالة عدم اليقين، يقول مبدعون وشركات لبنانية إن عملاء في الخليج بدأوا بتأجيل مشاريع، وخفض الميزانيات، وإبطاء المدفوعات، بينما تراجعت المنح والشراكات التي كانت تمول مؤسسات ثقافية وتعليمية لبنانية.
والنتيجة لا تظهر فقط في أرقام الإيرادات، بل في وظائف تختفي، ومشاريع تتجمد، ومستحقات تتأخر، ومؤسسات بدأت تحسب قدرتها على البقاء بالأشهر.
على مدى سنوات، استفاد لبنان من ميزة نادرة في المنطقة: قطاع إبداعي يمتلك الخبرة والمهارات، لكنه يعمل داخل اقتصاد يعاني أزمات متكررة.
وكان الخليج يمثل بالنسبة إلى هؤلاء مخرجاً طبيعياً.
الاقتصاد الإبداعي الذي ظل لسنوات إحدى نقاط القوة القليلة للبنان، لأنه استطاع بيع المهارة اللبنانية خارج الحدود، يجد نفسه الآن رهينة لظرف إقليمي لا يملك السيطرة عليه
فالمصمم اللبناني يستطيع العمل مع عميل سعودي أو إماراتي أو قطري، وشركة الإعلان اللبنانية تستطيع تنفيذ حملات لعلامات تجارية خليجية، فيما استفادت المؤسسات الثقافية والتعليمية من المنح والشراكات الخليجية.
بهذه الطريقة نشأت علاقة اقتصادية عابرة للحدود، جعلت استقرار الطلب الخليجي عاملاً مهماً في بقاء قطاعات لبنانية كاملة.
لكن الحرب الإقليمية أعادت تعريف الأولويات.
فعندما ترتفع المخاطر، تتجه الشركات والأفراد إلى حماية السيولة وتأجيل الإنفاق غير الضروري، وغالباً ما تكون المشاريع الإبداعية من أول البنود التي يمكن تأجيلها، حتى عندما تكون ضرورية على المدى الطويل لبناء العلامات التجارية.
أكاديمية لا تملك سوى أربعة أشهر
تجسد أكاديمية «كرييتيف سبيس بيروت» هذه الأزمة بأوضح صورها.
فمنذ تأسيسها عام 2011، اعتمدت الأكاديمية على منح وشراكات مع أفراد ومؤسسات في الخليج لتوفير دورات مجانية للطلاب من ذوي الدخل المحدود.
وكانت تأمل في جمع نحو 500 ألف دولار خلال العام الحالي، لكن الحرب دفعت عدداً من المانحين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم.
وتقول سارة هيرميز، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية للأكاديمية، إن بعض المانحين لم يتمكنوا من تجديد مساهماتهم، بينما خفض آخرون قيمة مساهماتهم بصورة كبيرة.
ولم تعد المشكلة مرتبطة فقط بحجم التمويل، بل باستمراريته. فالأكاديمية لا تملك حالياً سوى تمويل يكفي لنحو أربعة أشهر، مع عدم وجود رؤية واضحة بشأن المساهمات الخليجية في العام المقبل.
ولهذا لجأت إلى التمويل الجماعي والبحث عن شركاء جدد، في محاولة للحفاظ على نموذج التعليم المجاني.
المفارقة أن مؤسسة نجت من الانكماش الاقتصادي اللبناني، والأزمة المالية التي بدأت عام 2019، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، تجد نفسها اليوم أمام أزمة مصدرها الأساسي خارج لبنان.
المشكلة لا تتوقف عند المؤسسات الثقافية.
فشركات الإعلان والتسويق والاستشارات اللبنانية التي بنت جزءاً مهماً من أعمالها على العملاء الخليجيين بدأت تدفع الثمن.
وسيم حداد، الذي يدير شركة للاستشارات الإعلانية مقرها لبنان، يتوقع تراجع إيرادات شركته بنحو 70 في المئة، الأمر الذي دفعه إلى خفض عدد موظفيه إلى النصف.
وهذا الرقم يكشف حجم التأثير المحتمل؛ فالشركات الإبداعية اللبنانية تعمل في سوق يعتمد على الطلب الخارجي، ولذلك فإن أي تباطؤ لدى العميل الخليجي ينتقل سريعاً إلى العامل اللبناني.
◄ المخاوف تزداد مع مؤشرات تشير إلى تعرض اقتصادات الخليج نفسها لضغوط نتيجة الحرب، مع توقعات بتراجع النمو في عدد من دول المنطقة قبل عودة التعافي
وتظهر المشكلة كذلك في الشركات الغربية التي كانت تخطط لتوسيع حضورها في الخليج. فعدم وضوح الرؤية يدفع بعض العملاء إلى تأجيل قراراتهم، وهو ما يعني أن الشركات اللبنانية تخسر ليس فقط المشاريع القائمة، بل أيضاً المشاريع المستقبلية التي كان يفترض أن تنشأ من توسع الأعمال الخليجية والدولية.
من انخفاض الدخل إلى أزمة التحصيل
الضربة الأكثر خطورة ربما لا تتمثل في تراجع المشاريع الجديدة فقط، وإنما في صعوبة تحصيل قيمة المشاريع المنجزة.
خبيرة مستقلة لبنانية في مجال العلامات التجارية شهدت انخفاض دخلها بنحو 60 في المئة نتيجة تراجع العمل الحر، فيما واجهت صعوبات في الحصول على مستحقاتها.
فبعض العملاء دفعوا جزءاً فقط من المبالغ المتفق عليها، بينما تجاهل آخرون السداد.
وهذه مشكلة تتجاوز الدخل الشهري؛ لأنها تضرب السيولة التي تحتاج إليها الشركات الصغيرة والمستقلون للاستمرار ودفع الرواتب والإيجارات وتكاليف التشغيل.
أما في سوق يعاني أصلاً من هشاشة مالية، فإن تأخر الدفع قد يتحول بسرعة إلى أزمة بقاء.
تقول كيم هشمي، وهي خبيرة مستقلة في مجال العلامات التجارية وتشغل أيضاً منصباً إدارياً في الأكاديمية، إن دخلها تراجع بنحو 60 في المئة.
وترى أن بعض العملاء الخليجيين أصبحوا أكثر حذراً في الإنفاق، وأقل استعداداً لمواصلة المشاريع في ظل عدم اليقين.
وتلخص عبارتها جوهر الأزمة: «الأفكار ليست رخيصة… إنهم لا يريدون دفع ثمن قيمتها».
المشكلة هنا ليست فقط في قدرة العملاء على الدفع، وإنما في تغير تصورهم لأولويات الإنفاق. ففي أوقات الحرب والاضطراب، تصبح الشركات أكثر اهتماماً بالحفاظ على السيولة وتأمين العمليات الأساسية، بينما يمكن تأجيل حملة إعلانية أو مشروع تصميم أو استراتيجية للعلامة التجارية.
لكن هذا السلوك يخلق دائرة سلبية: تراجع الإنفاق يؤدي إلى تراجع إيرادات الشركات الإبداعية، ثم تسريح الموظفين، ثم انخفاض الاستهلاك والاستثمار في لبنان.
أزمة خليجية بوجه لبناني
تكتسب الأزمة حساسية خاصة بالنسبة إلى لبنان لأن الاقتصاد اللبناني يعتمد بدرجة كبيرة على علاقاته الخارجية والتحويلات.
فلسنوات، كان الخليج يمثل سوقاً رئيسية أمام العمالة اللبنانية ومصدراً للتحويلات التي تساعد الأسر داخل البلاد.
لكن تراجع فرص العمل أو تباطؤ المدفوعات أو انكماش الطلب الخليجي يهدد قناة اقتصادية مهمة بالنسبة إلى اللبنانيين.
وتأتي هذه الضغوط في وقت لا يزال فيه الاقتصاد اللبناني يحاول الخروج من أزماته المتراكمة، فيما أدى الصراع الإقليمي الأخير إلى إضافة طبقة جديدة من عدم اليقين.
عندما ترتفع المخاطر، تتجه الشركات والأفراد إلى حماية السيولة وتأجيل الإنفاق غير الضروري، وغالباً ما تكون المشاريع الإبداعية من أول البنود التي يمكن تأجيلها
الاقتصاد الإبداعي يدفع ثمن الحرب حتى من دون أن يكون طرفاً فيها
تكشف هذه التطورات أن تأثير الحرب لا يتوقف عند القطاعات المرتبطة مباشرة بالطاقة أو التجارة أو السياحة.
هناك اقتصاد كامل يعتمد على الثقة، والطلب، والإنفاق على المستقبل، يتأثر بمجرد أن يشعر العملاء بأن البيئة الإقليمية أصبحت أكثر خطورة.
وهذا بالضبط ما يحدث مع المبدعين اللبنانيين.
فالمصمم الذي كان يخطط لمشروع جديد، وشركة الإعلان التي كانت تنتظر حملة خليجية، والأكاديمية التي كانت تراهن على منحة جديدة، جميعهم أصبحوا أمام السؤال نفسه: ماذا يحدث إذا طال عدم اليقين؟
وتزداد المخاوف مع مؤشرات تشير إلى تعرض اقتصادات الخليج نفسها لضغوط نتيجة الحرب، مع توقعات بتراجع النمو في عدد من دول المنطقة قبل عودة التعافي.
ورغم أن الاقتصادات الخليجية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات من الاقتصاد اللبناني، فإن انتقال أثر الحرب إليها يعني أن الاقتصاد اللبناني سيتلقى الضربة مضاعفة، لأن جزءاً من نشاطه يقوم على خدمة رأس المال والطلب القادمين من الخليج.
في النهاية، لا يخسر لبنان من هذه الأزمة أموالاً فقط، بل يخسر فرصاً ومهارات ووظائف.
فالاقتصاد الإبداعي الذي ظل لسنوات إحدى نقاط القوة القليلة للبنان، لأنه استطاع بيع المهارة اللبنانية خارج الحدود، يجد نفسه الآن رهينة لظرف إقليمي لا يملك السيطرة عليه.
وإذا طال الجفاف الخليجي، فقد لا تكون المشكلة أن اللبنانيين لا يملكون أفكاراً جديدة، بل ألا يجدوا من يملك القدرة أو الرغبة على دفع ثمنها.