أثرياء العالم يقلصون انكشاف محافظهم على العملة الأميركية
زيورخ (سويسرا) – بدأت ملامح تغير لافت في سلوك كبار المستثمرين وأصحاب الثروات حول العالم، مع تراجع جاذبية الدولار كملاذ تقليدي آمن في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتقلبات السياسات النقدية، وارتفاع مستويات الدين في الولايات المتحدة، يتجه الأثرياء بشكل متزايد إلى إعادة هيكلة محافظهم الاستثمارية، عبر تقليص انكشافهم على العملة الأميركية والبحث عن بدائل أكثر تنوعا واستقرارا.
وهذا التحول لا يعكس مجرد تحركات تكتيكية قصيرة الأجل، بل يؤشر إلى إعادة تقييم أعمق لمكانة الدولار في النظام المالي العالمي، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من توزيع الثروات والاستثمارات على نطاق دولي.
وأفاد بنك يو.بي.أس السويسري في تقرير نُشر الخميس بأن أغنى عائلات العالم تُقلّص استثماراتها بالدولار الأميركي، في ظلّ تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع الديون السيادية، ما يدفعها إلى إعادة النظر في إدارة مخاطر محافظها الاستثمارية.
وخلص البنك في مسح حديث إلى أن نحو ثلثي مكاتب إدارة الثروات العائلية التي شملها الاستطلاع تتوقع تراجع الثقة بالدولار كعملة احتياطية خلال العام الحالي.
وقد أُجري الاستطلاع الذي شمل 307 متعاملين حول العالم، وبلغ متوسط صافي ثروة العائلات المشاركة 2.7 مليار دولار، بين يناير وأواخر مارس، قبل أن يبدأ الدولار في التفوق على العديد من العملات الأخرى.
ثلثا مكاتب إدارة الثروات العائلية التي شملها مسح يو.بي.أس تتوقع تراجع الثقة بالدولار كعملة احتياطية خلال 2026
والخميس ارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل ست عملات رئيسية، بواقع 0.13 في المئة إلى 99.426، مقتربا من أعلى مستوى له منذ أسبوع.
وبحسب نتائج المسح، أدى انخفاض قيمة الدولار في العام الذي سبق إجراء الاستطلاع إلى دفع العديد من مكاتب إدارة الثروات العائلية إلى مراجعة محافظها الاستثمارية.
وقد خلص ما يقرب من نصفها إلى أنها تُفرط في الاعتماد على العملة الأميركية في مختلف فئات الأصول، وفقًا لما ذكره ماكسيميليان كونكل، الإستراتيجي في يو.بي.أس.
ووجد البنك السويسري أن خطط تقليص الاستثمار في الأصول المقومة بالدولار تعكس إعادة نظر أوسع في المحافظ الاستثمارية التي تركز على الولايات المتحدة.
وتخطط مكاتب إدارة الثروات العائلية لإضافة أسهم الأسواق الناشئة والبنية التحتية، مع تقليص حيازاتها العقارية.
وقال بنجامين كافالي، المدير التنفيذي في يو.بي.أس، “للمرة الأولى، نشعر أن مكاتب إدارة الثروات العائلية ترغب في التوسع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وإلى حد ما، في أوروبا الغربية أيضا”.
وأضاف “هذا يؤثر بشكل رئيسي على مكاتب إدارة الثروات العائلية خارج الولايات المتحدة، لكننا نرى أيضا”.
وتكتسب تحركات أثرياء العالم أهمية مضاعفة بالنظر إلى الحجم الهائل للثروات التي يديرونها، إذ تُقدَّر ثروات المليارديرات وحدهم بما يتراوح بين 12 و15 تريليون دولار.
وتشير التقديرات إلى أن الثروات الخاصة العالمية للأفراد تتجاوز حاجز 450 تريليون دولار، تستحوذ الشريحة الأعلى ثراءً على نحو نصفها تقريباً.
ويعني ذلك أن أي تحول في إستراتيجيات هذه الفئة، سواء عبر تقليص الانكشاف على الدولار أو إعادة توزيع الأصول جغرافيا وقطاعيا، يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على تدفقات رؤوس الأموال والأسواق المالية العالمية، بل وقد يعيد تشكيل موازين القوى في النظام الاقتصادي الدولي.
وأوضح يو.بي.أس أن الصراع الجيوسياسي بات الآن الشغل الشاغل بفارق كبير، مما يدفع مكاتب إدارة الثروات العائلية إلى الجمع بين تغييرات توزيع الأصول وإستراتيجيات التوسع الجغرافي.
وأشار إلى أن التوسع الجغرافي يشمل إنشاء أنشطة لمكاتب إدارة الثروات العائلية في مختلف المناطق.
وذكر تقرير صادر في سبتمبر الماضي عن شركة كي.بي.أم.جي وشركة التوظيف أغريوس غروب، استناداً إلى مسح شمل 585 من العاملين في المكاتب العائلية، أن نحو نصف هذه المكاتب بات يعمل في أكثر من موقع جغرافي، مقارنة بنحو الثلث في عام 2023.
وأفاد تقرير لوكالة بلومبيرغ هذا الشهر بأن كبار أثرياء العالم يعيدون توجيه استثماراتهم نحو قطاعات تشهد تقلبات حادة في التقييمات، مستفيدين من تداعيات التوترات الجيوسياسية وعلى رأسها حرب إيران، في خطوة تعكس تحولًا لافتًا في أولويات رأس المال الخاص.
وأظهر مسح أجراه بنك الاستثمار الأميركي جي.بي مورغان قبل فترة أن نحو خُمس المستثمرين من فئة الأثرياء جدًا يعتبرون الجغرافيا السياسية أكبر تهديد، متقدمة على مخاطر التضخم والسيولة النقدية.
ويؤكد خبراء أن مفهوم تنويع الاستثمارات يشهد تحولا عميقا، مع سعي الأثرياء إلى بناء محافظ أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع بيئة عالمية تتسم بقدر متزايد من عدم اليقين.