"أبوظبي للسلم" يختتم "قمة السلام النيجيرية" في مجلس اللوردات البريطاني

الشيخ بن بيّه: مقاربة المنتدى تقوم على "روح الإطفائي" التي تعالج ولا تحاكم.
الجمعة 2026/05/01
مقاربات شاملة تنفذ إلى الأسباب الجذرية

مبادرة تجسّد نموذجا متقدّما للدبلوماسية الإماراتية التي توائم بين القيم الإنسانية والعمل المؤسسي بما يعزّز دور الدولة الوطنية ويدعم مسارات التنمية والاستقرار ويؤسّس لمستقبل أكثر أمنا وازدهارا في أفريقيا والعالم.

لندن- اختُتمت مساء الأربعاء أعمال “قمة السلام النيجيرية”، التي عُقدت في مجلس اللوردات البريطاني بالعاصمة لندن، لبحث مسارات تعزيز السلم الأهلي في نيجيريا، ضمن إطار الجهود الدولية لتعزيز الاستقرار في القارة الأفريقية.

ونظّم هذه القمة، التي تُعدّ مبادرة دولية رفيعة المستوى واستمرّت أعمالها على مدى ثلاثة أيام، منتدى أبوظبي للسلم، بالشراكة الإستراتيجية مع وزارتَي الخارجية الأميركية والبريطانية. وقد عُقدت جلستها الافتتاحية برئاسة العلّامة الشيخ عبدالله بن بيّه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم ورئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي.

وشارك عن الجانب الأميركي رايلي بارنز، مساعد وزير الخارجية للديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، وعن الجانب البريطاني البارونة تشابمان أوف دارلينغتون، وزيرة الدولة للتنمية الدولية وأفريقيا.

وشهدت القمة حضورا لافتا ضمّ الكاردينال جون أولورونفيمي أوناييكان، وجستن ويلبي، رئيس أساقفة كانتربري السابق، والأمير ساميلا محمد ميرا، أمير أرغونغو، واللورد الدكتور راسل روك، والبارونة اسكتلاند، والشيخ إبراهيم صالح الحسيني، مفتي نيجيريا، الذي خاطب القمة عبر تقنية الاتصال المرئي. كما ضمّ الوفد النيجيري نخبة من القيادات الدينية الإسلامية والمسيحية، وشخصيات حكومية وأكاديمية ومدنية بارزة، من بينهم وزراء ودبلوماسيون سابقون ومؤسّسو مراكز للوساطة بين الأديان.

مبادرة تجسد نموذجا متقدّما للدبلوماسية الإماراتية التي توائم بين القيم الإنسانية والعمل المؤسسي، بما يعزّز دور الدولة الوطنية، ويدعم مسارات التنمية والاستقرار، ويؤسّس لمستقبل أكثر أمنا وازدهارا في أفريقيا والعالم

ويأتي هذا الحراك في سياق الدور المتقدّم الذي تضطلع به دولة الإمارات في دعم مسارات السلم، وعمق صلتها بالقارة الأفريقية، وبنيجيريا خاصة، وهي صلة “تشدّها أواصر الحضارة وصلات التجارة والتطلّعات المشتركة”، كما أكد الشيخ بن بيّه، معتبرا أن هذه المبادرة تجسيد لحضور دولة الإمارات الفاعل في دعم جهود السلام والاستقرار في القارة الأفريقية، عبر مقاربة تجمع بين الدبلوماسية القائمة على القيم والعمل الدولي المشترك، وتعزيز دور القيادات الدينية والمجتمعية في معالجة جذور النزاعات.

وفي كلمته الافتتاحية التي حملت عنوان “رؤية للسلام”، أوضح الشيخ بن بيّه أنه في ظل التحوّلات المتسارعة في بيئات النزاع الدولي، برزت الحاجة إلى نموذج متكامل يجمع بين الشرعية القيمية والفعالية السياسية، بما يمكّن من الانتقال من إدارة الأزمات إلى هندسة مسارات مستدامة للاستقرار.

وفي هذا السياق، بيّن الشيخ بن بيّه أن منتدى أبوظبي للسلم يعمل مع شركائه على تشكيل مسار نوعي للانتقال من التشاور إلى الشراكة التنفيذية، عبر إطلاق إطار ثلاثي يجمع الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة، تحت عنوان “U3 – المبادرة الثلاثية للحوارات الوقائية من أجل سلام مستدام”، وذلك على أساس التعاون التشاركي، بما يعكس تحوّلا نوعيا في نماذج العمل الدولي من منطق الرعاية إلى منطق الشراكة المسؤولة. ويهدف هذا الإطار إلى هندسة السلام المستدام من خلال مبادرات مؤسسية قابلة للتطبيق والتوسّع، تستند إلى تكامل الأدوار، وتعزيز السيادة الوطنية، وربط الجهود الدبلوماسية بالمرتكزات القيمية.

كما قدّم الشيخ بن بيّه قراءة تحليلية للأزمة النيجيرية متعددة الأبعاد، مبيّنا تشابك التنافس على الموارد، وتداعيات التغيّر المناخي، وانتشار الجريمة المنظّمة والتطرّف، إلى جانب الفقر والبطالة وضعف الخدمات.

وأوضح أن مقاربة المنتدى تقوم على “روح الإطفائي” التي تعالج ولا تحاكم، وتهدف إلى انتزاع العامل الديني من دائرة التوظيف الأيديولوجي ليصبح جزءا من الحل بدلا من أن يبقى جزءا من المشكلة، مؤكدا أن معالجة هذه الأزمات تستدعي مقاربة شاملة تعالج الأسباب الجذرية، ولا تكتفي بالمظاهر.

وطرح خارطة طريق من خمسة محاور تشمل: ترشيد الخطاب العام، وبناء الثقة بين المكوّنات المجتمعية، ودعم المبادرات المحلية، ومواجهة العنف ضمن مقاربة تجمع الأمن بالعدل، وتكامل الجهود الوطنية والدولية بما يحترم السيادة الوطنية ويستجيب للأولويات المحلية.

وشدّد على أن تحقيق السلم الأهلي لا يمكن أن يتم خارج إطار الدولة الوطنية ومؤسساتها، بوصفها الحاضنَ للتعدّد والضامنَ للاستقرار. وأوضح أن التجربة في نيجيريا، بما تحمله من تنوّع ديني وإثني وثقافي، تمثّل رصيدا وطنيا يتطلّب إدارة حكيمة تقوم على العدالة الجامعة وتعزيز الثقة بين مكوّنات المجتمع.

الشيخ بن بيّه قدّم قراءة تحليلية للأزمة النيجيرية متعددة الأبعاد موضحا أن مقاربة المنتدى تقوم على "روح الإطفائي"التي تعالج ولا تحاكم، وتهدف إلى انتزاع العامل الديني من دائرة التوظيف الأيديولوجي

واستشهد الشيخ بن بيّه بنموذج الإمام الراحل أبو بكر عبدالله من ولاية بلاتو، الذي فتح مسجده عام 2018 لمئات من مواطنيه المسيحيين الفارّين من هجوم مسلّح، كما أشار إلى نماذج مماثلة لقيادات مسيحية حمت جيرانها المسلمين، مؤكدا أن السلم الأهلي يُبنى حين يتحوّل الدين “من عنوان للانقسام إلى مأوى للأمان”. واستحضر ما تمرّ به مالي من تحدّيات، محذّرا من أن غياب الاستقرار يخلّف “قتلا للإنسان، وإرهاقا للأوطان، وإساءة للأديان”.

ومن جهته، أشاد رايلي بارنز، مساعد وزير الخارجية الأميركي، بالدور الذي يضطلع به منتدى أبوظبي للسلم في بناء جسور الحوار بين المجتمعات الدينية في أفريقيا، مؤكدا أن الولايات المتحدة “تنظر إلى هذه الشراكة بوصفها نموذجا يجمع بين العمق الديني والفاعلية الدبلوماسية”، وأن واشنطن “ملتزمة بمواصلة دعم هذا المسار وتوسيع نطاقه”.

وأعربت البارونة تشابمان عن اعتزاز المملكة المتحدة بالانخراط في هذه المبادرة، مشيرة إلى أن المقاربة التي يقدّمها المنتدى، بجمعها بين المرجعية الدينية ومتطلّبات العمل الدولي، “تسدّ فراغا حقيقيا في جهود بناء السلم”، مؤكدة أن استقرار نيجيريا يمثّل ركيزة أساسية لأمن غرب أفريقيا، وأن تحقيق السلام المستدام يتطلّب حلولا نابعة من داخل المجتمعات، مدعومة بشراكات دولية مسؤولة، مجدّدة التزام بريطانيا بالعمل مع شركائها الإماراتيين والأميركيين لدعم الاستقرار في نيجيريا والقارة.

وكما شدّد جستن ويلبي، العائد من نيجيريا، حيث عقد سلسلة لقاءات مع شخصيات سياسية ودينية لتنسيق هذا الحدث، وفي مقدّمتها السيدة الأولى في نيجيريا، التي شجّعت ودعمت مسار الحوار والوحدة الوطنية، على أن السلام في جوهره مسؤولية أخلاقية وروحية تتطلّب شجاعة الاعتراف بالآخر وكسر دوائر الكراهية.

بدوره، أكد اللورد الدكتور راسل روك أن السلام الحقيقي يتجاوز غياب النزاع ليشمل تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية، مشيرا إلى أهمية بناء “بنية السلام الاجتماعي” القائمة على التعليم الرشيد، والقيادة الدينية المسؤولة، والسياسات الاقتصادية العادلة.

ومن جهته، أوضح الكاردينال جون أوناييكان أن تحقيق السلام يرتبط ارتباطا وثيقا بمعالجة قضايا العدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة، فيما أكد سماحة الشيخ إبراهيم صالح الحسيني أن الخطاب الديني الرشيد يمثّل أداة أساسية في مواجهة التطرّف وبناء جسور التفاهم.

ودعا الأمير ساميلا محمد ميرا، أمير أرغونغو، في كلمته حول أهمية الحوار بين الأديان، إلى تجاوز منطق التعايش السلبي نحو شراكة فعلية بين المسلمين والمسيحيين في بناء المدارس والمستشفيات ومكافحة الفقر، مؤكدا أن المؤسسات الدينية تمثّل “العمود الفقري للمجتمع المدني النيجيري”، وأن تعاونها قادر على “تحويل نيجيريا تحولا لا يمكن تصوّره”. وأعرب عن ثقته بأن القمة سترسي “أساسا متينا لحوارات مستقبلية وعمليات سلام دائمة”.

يُذكر أن قمة لندن تمثّل المحطة الثانية ضمن مسار تشاوري متعدد المحطات، عقب لقاء واشنطن في فبراير الماضي، ويُنتظر أن يُتوَّج بمحطات قادمة في أبوظبي والرباط وأبوجا، وذلك بتنسيق مع الحكومة النيجيرية، لبلورة مقاربة دولية متكاملة لدعم السلم في نيجيريا والقارة الأفريقية، وترسيخ ثقافة السلام، وتعزيز الشراكات بين الفاعلين الدينيين والمدنيين.

وتجسّد هذه المبادرة نموذجا متقدّما للدبلوماسية الإماراتية التي توائم بين القيم الإنسانية والعمل المؤسسي، بما يعزّز دور الدولة الوطنية، ويدعم مسارات التنمية والاستقرار، ويؤسّس لمستقبل أكثر أمنا وازدهارا في أفريقيا والعالم.

حراك يتنزل في سياق الدور المتقدّم الذي تضطلع به دولة الإمارات في دعم مسارات السلم وعمق صلتها بالقارة الأفريقية

 

3