لماذا أصبح مسلسل "فوضى" الإسرائيلي الأكثر مشاهدة عربيا على نتفليكس؟

المشاهد العربي المعاصر، وخاصة الجيل الجديد، لم يعد يكتفي بما يُملى عليه. بات لديه فضول دافع لفهم عقلية الطرف الآخر وكيف يرى الصراع.
الجمعة 2026/09/25
تفكيك السرديات

القدس- أثار تصدُّر الموسم الخامس من المسلسل الإسرائيلي "فوضى" (Fauda) قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة على منصة نتفليكس  في عدة دول عربية، على الرغم من تصاعد التوترات بين إسرائيل والمنطقة، جدلاً ثقافياً وسياسياً غير مسبوق.

تم إصدار الموسم الأخير من المسلسل، الذي يصور هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 وتداعياته، هذا الشهر واكتسب شعبية سريعة في جميع أنحاء العالم العربي، على الرغم من أن علاقات إسرائيل مع العديد من دول المنطقة ظلت متوترة منذ عام 2023.

كان الموسم الخامس من مسلسل "فوضى"، الذي يتابع مجموعة من عملاء مكافحة الإرهاب الإسرائيليين الناطقين باللغة العربية، البرنامج الأكثر مشاهدة على نتفليكس في لبنان خلال الأسبوع من 7 إلى 13 سبتمبر، واحتلّ مرتبة ضمن أفضل 10 برامج في البحرين (الخامس)، والأردن (الرابع)، والكويت (التاسع)، وعُمان (السابع)، وقطر (الرابع)، والإمارات العربية المتحدة (الخامس).

من بين الدول التي وصل فيها مسلسل "فوضى" إلى قائمة أفضل 10 مسلسلات على نتفليكس، لا تربط إسرائيل علاقات إلا بالأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين.

ويعود هذا الاهتمام الاستثنائي إلى تركيز العمل بشكل مباشر على تجسيد أحداث 7 أكتوبر وتداعياتها الأمنية والإنسانية من وجهة نظر إسرائيلية. هذا الاختراق الدرامي للشاشات العربية يتجاوز مجرد النجاح الفني العابر، ليسلط الضوء على سقوط الروايات التقليدية وجدار المقاطعة الكلاسيكي أمام التدفق الرقمي، مما يضع المشاهد والناقد العربي أمام واقع إعلامي وفكري جديد يتطلب التحليل والمكاشفة.
يكمن جزء كبير من جاذبية مسلسل "فوضى" في اعتماده على لغة عربية متقنة تفكك الحواجز النفسية لدى المشاهد الإقليمي. المسلسل لا يقدم إسرائيل بصورتها العسكرية النمطية الجامدة، بل يعتمد على صياغة درامية ذكية من خلال وحدة "المستعربين" الإسرائيلية.

هؤلاء الجنود يتحدثون العربية بطلاقة، ويعيشون تفاصيل الثقافة اليومية، بل ويندمجون في البيئة العربية كأفراد منها لتنفيذ مهامهم الأمنية. هذا التداخل اللغوي والثقافي يجعل الرسالة الموجهة أكثر سلاسة وقدرة على النفاذ إلى وعي المتلقي العربي، حيث يتم تقديم السردية الإسرائيلية بأدوات تعبيرية مألوفة للمشاهد، مما يزيد من خطورة وتأثير العمل الفكري.

عقود طويلة استندت فيها الثقافة العربية إلى مبدأ المقاطعة الشاملة لمنتجات الطرف الآخر، معتمدة على رواية أحادية الجانب يتم تلقينها للجماهير عبر وسائل الإعلام الرسمية. لكن عصر المنصات الرقمية المفتوحة أحدث تحولاً جذرياً أدى إلى سقوط الروايات الكلاسيكية.

فالمشاهد العربي المعاصر، وخاصة الجيل الجديد، لم يعد يكتفي بما يُملى عليه. بات لديه فضول دافع لفهم عقلية الطرف الآخر وكيف يرى الصراع.

وأثبت تدفق المشاهدات في عواصم عربية مثل بيروت وعمان والقاهرة أن أدوات الحظر التقليدية لم تعد مجدية في زمن الفضاء الرقمي المفتوح.

وقد يتابع الجمهور العمل ليس من باب التأييد بالضرورة، بل لتفكيك شفرات الرواية المضادة ومعاينة الصورة التي يرسمها الاحتلال لنفسه ولخصومه.

من أبرز النقاط الإشكالية والواقعية التي يطرحها المسلسل في موسمه الجديد، هو إبراز المقاتلين الدروز والمستعربين الذين يتحدثون عن أنفسهم ويعبرون عن هويتهم المعقدة داخل المنظومة الإسرائيلية.

هذا الطرح يربك المفاهيم السائدة في العقل الجمعي العربي الذي يميل غالباً إلى تسطيح مكونات المجتمع الإسرائيلي. المسلسل يستغل هذا التنوع الداخلي بذكاء، فيظهر شخصيات عربية ودرزية تقاتل في صفوف الجيش الاسرائيلي وتتبنى روايته بالكامل حول أحداث 7 أكتوبر. هذا التوظيف الدرامي لا يهدف فقط إلى ملء الفراغ الفني، بل يسعى إلى إظهار صراع الهويات في المنطقة باعتباره صراعاً داخلياً معقداً وليس مجرد حرب بين احتلال وشعب محتل، وهو ما يمثل ذروة الحرب النفسية وتزييف الوعي التاريخي.

وركز الموسم الخامس في حلقاته الأخيرة على إعادة بناء تفاصيل هجوم 7 أكتوبر. ركز صناع العمل على إبراز الصدمة النفسية، والألم الإنساني، والارتباك الأمني الذي عاشه المجتمع الإسرائيلي في ذلك اليوم.

الهدف من هذه الواقعية الفائقة في التصوير والإنتاج هو كسب استعطاف الرأي العام العالمي والمحلي، وتقديم مسوغات أخلاقية وأمنية للعمليات العسكرية اللاحقة. بتقديم هذه الرواية المشحونة عاطفياً، ينجح المسلسل في تحويل الحدث السياسي والعسكري إلى قصة إنسانية مؤثرة، قادرة على التأثير في المشاهدين وتثبيت السردية الإسرائيلية كحقيقة واقعة على حساب غياب الرواية المقابلة في الفضاء الدرامي العالمي.

النجاح الكاسح لـ "فوضى" عربياً يكشف ضعف صناعة الدراما في العالم العربي، والتي ما زالت تعاني من أزمات هيكلية وفكرية تمنعها من خوض معركة الوعي بنفس الكفاءة.

وتوضح هذه المقارنة أن المشاهد العربي عندما يتجه لمتابعة الإنتاج الإسرائيلي، فإنه يبحث عن صناعة بصرية متقنة قادرة على إثارة الأسئلة، وهو ما تفشل فيه الكثير من الأعمال العربية التي تكتفي بالبكائيات أو التبسيط التلفزيوني السطحي للأزمات الوجودية.

إن تصدُّر مسلسل "فوضى" للمشاهدات العربية يبعث برسالة واضحة لكل صناع القرار الثقافي والإعلامي في المنطقة: المعارك لم تعد تحسم بالمدفعية فقط، بل بالصورة والسيناريو والمنصة الرقمية.

المشاهد العربي اليوم يتابع بنفسه، يقارن، ويحلل، وقد تسقط أمامه روايات محلية كاملة إذا وجد أن الرواية المضادة تُقدم باحترافية أعلى وبواقعية تلامس فضوله الفكري. معركة الوعي المعاصرة تتطلب الانتقال من عقلية الحظر والمنع، إلى عقلية الإنتاج والمواجهة الفنية بذات الأدوات وبذات الذكاء الدرامي.