سوريا أمام سؤال الدولة: مدنية أم إسلامية؟

عبارة “المصدر الرئيس للتشريع” ليست مجرد صياغة رمزية، بل تفتح نقاشًا واسعًا حول الطريقة التي ستترجم بها المرجعية الإسلامية إلى قوانين
الثلاثاء 2026/09/08
دولة تحت حكم المقاتلين.. أم حكم مدني

دمشق - لم يعد السؤال السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد مقتصرًا على هوية السلطة التي ستدير البلاد أو شكل التحالفات التي ستصنع المرحلة الانتقالية، بل بدأ ينتقل إلى مستوى أكثر عمقًا: أي دولة تريد سوريا أن تكون؟ ومن يحكمها، وبأي قواعد وقوانين؟

فبعد سنوات الحرب والانقسام وتفكك مؤسسات الدولة، تجد سوريا نفسها أمام مهمة إعادة بناء النظام السياسي من نقطة شديدة الحساسية. السلطة الجديدة مطالبة ببناء مؤسسات قادرة على إدارة بلد متعدد الطوائف والمناطق والاتجاهات السياسية، وفي الوقت نفسه تحديد العلاقة بين الدين والدولة، وموقع الشريعة في التشريع، وحدود الدور السياسي للإسلاميين.

وهذا يجعل معركة الدستور أكثر أهمية من مجرد صياغة وثيقة قانونية؛ لأنها ستحدد إلى حد بعيد طبيعة الدولة السورية في السنوات المقبلة.

الإعلان الدستوري الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع في مارس/آذار 2025 يقدم صورة مركبة للنظام الذي يجري بناؤه. فهو ينص على أن سوريا دولة مستقلة ذات سيادة، وأن النظام السياسي يقوم على الفصل بين السلطات ويضمن الحرية والكرامة للمواطن، لكنه ينص في المادة الثالثة على أن دين رئيس الجمهورية الإسلام وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، مع ضمان حرية الاعتقاد واحترام الأديان السماوية.

وهنا تبدأ المسألة الأكثر حساسية.

فعبارة “المصدر الرئيس للتشريع” ليست مجرد صياغة رمزية، بل تفتح نقاشًا واسعًا حول الطريقة التي ستترجم بها المرجعية الإسلامية إلى قوانين ومؤسسات وممارسات قضائية.

وفي المقابل، لا يقدم الإعلان الدستوري نفسه نموذجًا معلنًا لدولة دينية تقوم على سلطة رجال الدين أو على مؤسسة دينية تتولى الحكم. بل يتحدث عن فصل السلطات، ومجلس للشعب، وسلطة قضائية، وحريات وحقوق للمواطنين.

وبذلك تبدو سوريا أمام صيغة تحاول الجمع بين هوية إسلامية للدولة ونظام سياسي مؤسسي، لكن تفاصيل العلاقة بين الاثنين ستبقى مرتبطة بما سيأتي من تشريعات وبالدستور الدائم الذي يفترض أن ينهي المرحلة الانتقالية.

السؤال الأصعب: من يحكم الإسلاميين؟

القوى التي تتصدر المشهد الانتقالي جاءت من بيئة إسلامية مسلحة، وكان انتقالها من العمل العسكري إلى مؤسسات الدولة أحد أكبر التحولات التي شهدتها سوريا منذ سقوط الأسد.

لكن الانتقال من قيادة فصيل أو تحالف فصائل إلى إدارة دولة يفرض قواعد مختلفة تمامًا. فالدولة لا تدار فقط بالخطاب السياسي أو بالشرعية التي أنتجتها الحرب، وإنما عبر المؤسسات والقوانين والقضاء والبرلمان والانتخابات.

وهنا يصبح السؤال: هل يتحول الإسلاميون من قوة حاكمة إلى تيار سياسي داخل دولة متعددة القوى، أم تصبح رؤيتهم السياسية هي الإطار الذي تعاد صياغة الدولة السورية على أساسه؟

هل يتحول الإسلاميون من قوة حاكمة إلى تيار سياسي داخل دولة متعددة القوى، أم تصبح رؤيتهم هي الإطار الذي يتحكم بالدولة السورية؟

الإجابة لن تحددها تصريحات القيادة السياسية وحدها، وإنما شكل المؤسسات التي ستنشأ خلال المرحلة الانتقالية، وطريقة صياغة القوانين، ومدى قدرة القوى السياسية والاجتماعية الأخرى على المشاركة في صناعة النظام الجديد.

في يوليو/تموز 2026 بدأ مجلس الشعب السوري الجديد عمله، بوصفه مؤسسة تشريعية انتقالية. ووفق الإعلان الدستوري، يتولى المجلس اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل القوانين السابقة أو إلغائها، إضافة إلى إقرار الموازنة والمصادقة على المعاهدات الدولية. كما أن تشكيله الحالي مرتبط بالمرحلة الانتقالية وليس نموذجًا تشريعيًا دائمًا.

وهذا يمنح البرلمان أهمية تتجاوز دوره التشريعي المباشر.

فالقوانين التي سيقرها المجلس ستكون اختبارًا عمليًا للاتجاه الذي ستسلكه الدولة. وسيكون من المهم مراقبة كيفية التعامل مع قوانين الأحوال الشخصية، وحقوق المرأة، والحريات العامة، والتعليم، والقضاء، والعلاقة بين التشريع المدني والمرجعية الإسلامية.

فالنص الدستوري يحدد المرجعية، لكن القانون هو الذي يحول المرجعية إلى واقع يومي.

ومن هنا يمكن أن ينتقل النقاش السوري من سؤال نظري مثل “هل سوريا دولة إسلامية؟” إلى أسئلة أكثر تحديدًا: كيف سيكون قانون الأسرة؟ ما حدود حرية الاعتقاد؟ كيف ستنظم الأحزاب؟ ما طبيعة القضاء؟ وما الذي يعنيه عمليًا أن يكون الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع؟

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن التركيبة الاجتماعية والسياسية المعقدة لسوريا.

فالدولة الجديدة لا تواجه فقط مهمة إعادة بناء المؤسسات، وإنما مطالبة أيضًا بإقناع مكونات سورية مختلفة بأن النظام الجديد لن يتحول إلى إعادة إنتاج للاستبداد بصيغة أخرى.

ولهذا يكتسب الحديث عن المواطنة أهمية خاصة. فالإعلان الدستوري نفسه يضع ضمن أهدافه بناء دولة المواطنة والحرية والكرامة وسيادة القانون، إلى جانب تأكيد حرية الاعتقاد واحترام الأديان والأحوال الشخصية للطوائف الدينية.

لكن التحدي الحقيقي سيكون في الانتقال من النصوص إلى الممارسة.

فالمكونات السورية لن تقيس طبيعة الدولة من خلال الدستور وحده، وإنما من خلال علاقتها بالقضاء والتعليم والإدارة والأمن والوظائف العامة والانتخابات، وبمدى مساواتها أمام القانون.

الإعلان الدستوري حدد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، تنتهي بإقرار دستور دائم وتنظيم انتخابات وفقًا له.

وهذا يعني أن المعركة الأهم لم تنته بعد.

فالمرحلة الحالية قد تنتج مؤسسات انتقالية وقوانين مؤقتة، لكن الدستور الدائم سيكون الوثيقة التي ستجيب بصورة أكثر وضوحًا عن سؤال الدولة: هل ستكون سوريا دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية؟ أم دولة ذات طابع إسلامي واضح ومؤسسات مدنية؟ أم صيغة أخرى تتبلور عبر التفاوض بين القوى الاجتماعية والسياسية؟

في النهاية، تبدو سوريا أمام اختبار مزدوج: كيف تبني دولة جديدة من دون إعادة إنتاج الاستبداد، وكيف تحافظ على هويتها الدينية من دون أن يتحول الخلاف على الهوية إلى انقسام حول المواطنة؟