فصل الذكور عن الإناث في "مدرسة اللاييك" بدمشق رسميا.. نهاية رمز علماني

تعكس الردود على إكس انقساماً مجتمعياً عميقاً بين من يرى في الفصل حماية وتركيزاً، ومن يراه تراجعاً عن قيم الانفتاح التي ميزت دمشق لعقود. المدرسة التي بدأت علمانية قبل نحو قرن تواجه اليوم تحدياً يمس جوهر هويتها.
الثلاثاء 2026/09/08
رمز العلمانية الدمشقية

دمشق- في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط التربوية والثقافية، أعلنت إدارة "معهد الحرية" في دمشق، المعروف تاريخياً بـ"مدرسة اللاييك"، رسمياً فصل الطلاب الذكور عن الإناث في الصفوف والباحات، بدءاً من العام الدراسي 2026-2027، باستثناء المرحلة الابتدائية.

وجاء الإعلان في بيان مقتضب على صفحة المعهد على فيسبوك، وصف القرار بأنه جاء "بعد دراسة دقيقة وشفافة لواقع المعهد"، وبهدف "تلافي بعض المشاكل التي حصلت سابقاً".

وأكدت الإدارة لاحقاً لمنصة "تأكد" أن القرار صدر بشكل مستقل تماماً دون توجيه رسمي من أي جهة حكومية، وعزته إلى مشكلات تربوية وسلوكية رُصدت في الآونة الأخيرة. شملت هذه المشكلات – حسب الرواية الإدارية – شجارات متكررة بين بعض الطلاب الذكور مرتبطة بالغيرة أو العلاقات العاطفية، بالإضافة إلى نقل عدد من الأهالي بناتهم (منهن متفوقات) إلى مدارس أخرى رفضاً للاختلاط، ما أدى إلى اختلال التوازن العددي لصالح الذكور. ورأت الإدارة أن تخصيص شعب وباحات منفصلة يعيد تنظيم البيئة الدراسية.

وتأسست المدرسة عام 1929 باتفاق بين الحكومة السورية والبعثة العلمانية الفرنسية (Mission Laïque Française)، على أرض منحتها الدولة تجاوزت 9 آلاف متر مربع في شارع بغداد. افتُتحت في أكتوبر 1932 بنحو 80 طالباً وطالبة، وبُنيت بالحجر الأبيض على الطراز الفرنسي. حملت اسم "اللاييك" الذي يعني "العلمانية"، وظلت لعقود رمزاً للتعليم المختلط المنفتح، مع التركيز على اللغتين العربية والفرنسية، وخرجت أجيالاً من النخبة الدمشقية.

وتغير اسمها مرات عدة: إلى "معهد الحرية" عام 1961، ثم "معهد الشهيد باسل الأسد" عام 1994، قبل أن يعود إلى "معهد الحرية" في 2020. ظلت طوال تاريخها تقريباً مختلطة، خلافاً لكثير من المدارس الدمشقية.

القرار لم يأتِ من فراغ. في تموز 2025، أصدرت "لجنة حي ساروجة" بياناً أعلنت فيه أنها أرسلت كتاباً رسمياً إلى مديرية التربية تطالب بفصل الجنسين "حرصاً على مصلحة الأبناء والبنات" وتوفير بيئة "أكثر تركيزاً وهدوءاً"، مستندة إلى "مبادئ الشريعة الإسلامية" و"دراسات أوروبية حديثة" تزعم تحسين الأداء الأكاديمي وتقليل التشتت.

وأثار البيان آنذاك سخرية واسعة، خاصة أن المدرسة تقع خارج نطاق الحي إدارياً، وأن الدراسات الأوروبية المزعومة قوبلت بتهكم من السوريين المقيمين في أوروبا الذين يعرفون واقع المدارس المختلطة هناك.وانقسم الرأي العام بشكل حاد. رأى مؤيدون أن الفصل شائع في معظم مدارس دمشق، وقد يساعد في ضبط السلوك وتحسين التركيز. أما المنتقدون فركزوا على الطابع الرمزي للمدرسة وتاريخها.
وكتبت الصحفية يمان العموري:

ووصفت المراصد الديمقراطية والناشطون الخطوة بـ"أفغنة" سوريا، مشيرين إلى حملة لجنة ساروجة السابقة المستندة إلى الشريعة. ونشر المرصد الديمقراطي السوري:

من جهة أخرى، أشار بعض المعلقين إلى أن الإدارة بررت القرار بـ"الترش وقصص الحب والغيرة والسكاكين"، ما أثار موجة سخرية جديدة.
ودخل خريجون سابقون على خط الجدل. وكتبت إحداهن:

ويثير القرار أسئلة جوهرية. من الناحية التربوية، يرى البعض أن الفصل قد يقلل من التشتت في مراحل المراهقة، مستشهدين بدراسات (مختلفة النتائج) حول التعليم أحادي الجنس. لكن المنتقدين يشيرون إلى أن المشكلات السلوكية تُعالج بالرقابة والتربية والقيم، لا بالعزل، وأن الاختلاط يُعدّ الأطفال للحياة الجامعية والمهنية المختلطة.

واعرب المعلمون عن قلق من مضاعفة العبء (تدريس المادة مرتين) وتعقيد الجداول.

ويأتي القرار في سياق أوسع شهد محاولات سابقة لفصل الجنسين في مدارس أخرى بدمشق وريفها عام 2025، وسط نفي رسمي أحياناً وتطبيق عملي أحياناً أخرى.

ويُنظر إليه من قبل قطاعات واسعة كنموذج لتحول نحو رؤية محافظة أشد، خاصة بعد سقوط النظام السابق، في وقت تُعتبر فيه "اللاييك" من آخر معاقل التعليم المختلط العلماني في العاصمة.

من جهة أخرى، يؤكد مؤيدون أن من لا يرغب بالاختلاط لديه مئات المدارس المنفصلة، ولا حاجة لتغيير طبيعة مدرسة تاريخية اختارها الأهالي عمداً لطبيعتها.

كما أن الإدارة تؤكد استقلالية قرارها، وأن الابتدائي يبقى مختلطاً. يبقى السؤال مفتوحاً: هل هو مجرد تنظيم إداري لمشكلات حقيقية، أم حلقة في سلسلة أوسع تعيد تشكيل الفضاء التعليمي العام؟

وتعكس الردود على إكس انقساماً مجتمعياً عميقاً بين من يرى في الفصل حماية وتركيزاً، ومن يراه تراجعاً عن قيم الانفتاح التي ميزت دمشق لعقود. المدرسة التي بدأت علمانية قبل نحو قرن تواجه اليوم تحدياً يمس جوهر هويتها.