بطاريات السيارات الكهربائية تدخل مرحلة النضج التقني

الاختبارات تكشف أن التلف أبطأ من تقديرات المصنعين، إذ تحتفظ بمعظم مداها حتى بعد سنوات من الاستخدام.
الثلاثاء 2026/07/21
نظرة إلى المستقبل من زاوية أخرى

لطالما شكلت بطاريات السيارات الكهربائية مصدر قلق للمستخدمين بسبب المخاوف المرتبطة بعمرها الافتراضي وارتفاع تكلفة استبدالها، إلا أن الدراسات الحديثة وبيانات الاستخدام الفعلي تكشف أنها أكثر متانة بكثير مما كانت تقدره الشركات المصنعة في السابق.

لندن- كسرت دراسات وتجارب حديثة الاعتقاد السائد بأن البطارية تمثل الحلقة الأضعف في السيارة الكهربائية، إذ تشير البيانات الميدانية إلى أنها أصبحت أحد أكثر مكوناتها اعتمادية.

ويعتقد الخبراء أن التطور المستمر في تقنيات التصنيع وإدارة الطاقة يوحي بأن البطاريات المقبلة ستكون أطول عمراً وأقل تكلفة وأكثر كفاءة.

وتشكل البطاريات حجر الأساس في مستقبل التنقل المستدام، لكنها لا تزال تمثل أكبر مصدر قلق للمستهلكين بسبب المخاوف المرتبطة بعمرها الافتراضي وتكاليف استبدالها.

غير أن نتائج الدراسات الحديثة وبيانات الاستخدام الفعلي بدأت تدحض كثيراً من هذه المخاوف، مؤكدة أن البطاريات الحديثة أكثر متانة وكفاءة مما كان يُعتقد سابقا.

ولم يكن التشكيك في عمر بطاريات السيارات الكهربائية أمرا مستغربا خلال السنوات الأولى لانتشار هذه المركبات، فقد اعتاد المستهلكون على ملاحظة التراجع السريع في أداء بطاريات الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة.

أبحاث جامعة ستانفورد وجدت أن القيادة أقل إجهادا للبطاريات من الاختبارات المعملية، مما يطيل عمرها بنسبة 40 في المئة

وهذا الوضع دفعهم إلى افتراض أن البطاريات المستخدمة في السيارات ستسلك المسار نفسه، خاصة مع ارتفاع تكلفة استبدالها مقارنة بأي مكون آخر في السيارة.

ومع ذلك تشير التجارب الميدانية التي تراكمت على مدى العقد الماضي، إلى جانب الدراسات الأكاديمية، إلى أن هذا التصور لم يعد يعكس الواقع، وأن البطاريات أصبحت قادرة على العمل لفترات قد توازي العمر التشغيلي للمركبة نفسها.

وكشف تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال هذا الشهر، استناداً إلى بيانات شركة ريكارنت المتخصصة في متابعة أداء السيارات الكهربائية، أن معظم هذه الفئة من المركبات تحتفظ بنحو 95 في المئة من مدى القيادة الأصلي بعد خمس سنوات من الاستخدام.

ويتجاوز هذا المعدل بكثير التقديرات التي أعلنتها الشركات المصنعة عند إطلاق سياراتها، وفق ما نقلته منصة “سلاش غير” عن الصحيفة الأميركية.

وتبرز هذه النتائج عند مقارنتها بضمانات الشركات، إذ تؤكد تسلا، على سبيل المثال، أن بطاريات معظم طرازاتها ستحافظ على أكثر من 70 في المئة من سعتها الأصلية بعد ثماني سنوات.

وتشير بيانات الاستخدام الفعلي إلى أن معدل التدهور الحقيقي أبطأ بكثير، ما يعني أن الشركات تبنت تقديرات متحفظة لضمان هامش أمان واسع بدلاً من تقديم الحد الأقصى للعمر المتوقع.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك إصدار تسلا موديل أس 90 دي لسنة 2016، التي استخدمت لسنوات طويلة كسيارة أجرة في أحد مطارات المملكة المتحدة.

ووفق تقرير نشره موقع “إنسايد إي.في.أس”، قطعت السيارة نحو 692 ألف كيلومتر، باستخدام البطارية والمحركات الأصلية.

ورغم هذا الاستخدام المكثف لم تفقد سوى نحو 105 كيلومترات من مدى القيادة، لتحتفظ البطارية بما يقارب 78 في المئة من سعتها الأصلية بعد ما يقرب من عشر سنوات من التشغيل.

وتطرح هذه النتائج تساؤلاً مهماً حول أسباب التقليل من العمر الافتراضي للبطاريات خلال السنوات الماضية.

البطاريات تشكل حجر الأساس في مستقبل التنقل المستدام، لكنها لا تزال تمثل أكبر مصدر قلق للمستهلكين بسبب المخاوف المرتبطة بعمرها الافتراضي وتكاليف استبدالها

ويشير باحثون إلى أن السبب يعود بدرجة كبيرة إلى طبيعة الاختبارات المخبرية التي اعتمدتها شركات السيارات، والتي كانت تقوم على دورات شحن وتفريغ متواصلة في ظروف لا تشبه الاستخدام اليومي الحقيقي.

وفي دراسة أجرتها جامعة ستانفورد عام 2024 على 92 بطارية ليثيوم أيون واستمرت أكثر من عامين، تبين أن القيادة في الظروف الواقعية أقل إجهاداً للبطاريات مما كانت تفترضه النماذج التقليدية.

والقيادة اليومية تتخللها فترات توقف طويلة، وازدحام مروري، وساعات لا تُستخدم فيها السيارة، وهو ما يمنح الخلايا وقتاً لاستعادة استقرارها الكيميائي ويحد من سرعة التآكل.

وخلص الباحثون إلى أن البطاريات قد تدوم لفترة أطول تصل إلى 40 في المئة مقارنة بالتقديرات السابقة، بل إن إحدى النتائج المفاجئة للدراسة أظهرت أن التسارع القوي، الذي كان يُعتقد أنه يسرّع تدهور البطارية، قد يساهم بدرجة محدودة في تقليل معدل التآكل بدلاً من زيادته.

وتتوافق هذه النتائج مع تقديرات حديثة تشير إلى أن العمر الافتراضي للبطاريات يتراوح حالياً بين 15 و20 عاماً، ما يضعها على قدم المساواة تقريباً مع العمر التشغيلي للسيارات العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي.

وبذلك، قد لا يضطر كثير من مالكي السيارات الكهربائية إلى استبدال البطارية طوال فترة امتلاكهم للمركبة.

وفي الوقت نفسه، لم يتوقف التطور عند إطالة العمر التشغيلي، بل شمل أيضاً خفض تكاليف الإنتاج.

ووفق بيانات بلومبيرغ أن.أف.إي، انخفضت أسعار بطاريات الليثيوم أيون بأكثر من 90 في المئة منذ عام 2010، نتيجة التطور التقني والتوسع في الإنتاج العالمي، ما أسهم في خفض تكلفة تصنيع السيارات الكهربائية تدريجياً.

كما شهدت البطاريات نفسها تطوراً ملحوظاً من حيث المواد المستخدمة في تصنيع الخلايا، وأنظمة التبريد، وبرمجيات إدارة الطاقة، التي باتت أكثر قدرة على التحكم في عمليات الشحن والتفريغ، والحفاظ على درجات الحرارة المثالية، وتقليل الإجهاد الذي تتعرض له الخلايا مع مرور الزمن.

ويظل الشحن السريع من أكثر الموضوعات إثارة للجدل بين المستخدمين، إذ يعتقد كثيرون أن الاعتماد المتكرر على الشواحن فائقة السرعة يؤدي إلى تقصير عمر البطارية بشكل كبير.

◄ قد تقلل البطاريات طويلة الأمد من مخاوف استبدالها، مما يحسّن قيمة المركبة ويخفف المخاوف بشأن تأثيرات الشحن السريع
◄ قد تقلل البطاريات طويلة الأمد من مخاوف استبدالها، مما يحسّن قيمة المركبة ويخفف المخاوف بشأن تأثيرات الشحن السريع

غير أن دراسة أجرتها شركة جيوتاب، المتخصصة في بيانات المركبات، خلال يناير الماضي، أظهرت أن متوسط التدهور السنوي لبطاريات السيارات الكهربائية يبلغ نحو 2.3 في المئة.

وأوضحت الدراسة أن السيارات التي تعتمد بصورة كبيرة على الشحن السريع بقدرات تزيد على 100 كيلوواط سجلت معدل تدهور سنوي يقترب من 3 في المئة، مقابل نحو 1.5 في المئة للسيارات التي تُشحن في معظم الأحيان داخل المنازل.

ورغم هذا الفارق، فإن تأثير الشحن السريع يبقى أقل بكثير مما كان يُعتقد، خاصة في ظل العمر التشغيلي الطويل الذي باتت تتمتع به البطاريات الحديثة.

وفي المقابل، تبقى درجات الحرارة المرتفعة العامل الأكثر تأثيراً في صحة البطارية، إذ أظهرت الدراسة أن المركبات المستخدمة في المناطق الحارة تتعرض لتآكل إضافي يبلغ نحو 0.4 نقطة مئوية سنوياً مقارنة بالسيارات العاملة في المناخات المعتدلة.

وقد دفع ذلك شركات السيارات إلى الاستثمار في تطوير أنظمة تبريد أكثر كفاءة للحفاظ على استقرار أداء البطاريات في مختلف الظروف المناخية.

10