كنوز "ميت رهينة" تروي حكايات مصر الخالدة

متحف ميت رهينة المفتوح يصنف ضمن النوع الأخير، ويضم بين جنباته أكثر من 60 قطعة أثرية نادرة ومكتشفة في الموضع ذاته.
الأربعاء 2026/06/17
أسرار حضارة

رغم الشهرة العالمية لأهرامات الجيزة وتمثال أبي الهول، تخفي منطقة "ميت رهينة" كنزا حضاريا لا يقل روعة، حيث ترقد بقايا مدينة منف أول عاصمة لمصر الموحدة، لتروي عبر معابدها وتماثيلها وآثارها النادرة حكايات الفراعنة وعظمة حضارة امتدت لآلاف السنين.

القاهرة – رغم الشهرة العالمية التي تحظى بها أهرامات الجيزة وتمثال أبي الهول، غربي القاهرة، باعتبارهما من عجائب الدنيا السبع، تحتضن المحافظة ذاتها كنزا أثريا لا يقل أهمية في سجل الحضارة المصرية القديمة.
ففي منطقة “ميت رهينة” جنوبي الجيزة ترقد أطلال مدينة منف، أول عاصمة لمصر الموحدة، حيث يمتزج التاريخ بالأسطورة داخل متحف مفتوح يضم عشرات القطع النادرة والمعابد القديمة، وفي مقدمتها تمثال الملك رمسيس الثاني الراقد، أحد أبرز الشواهد على عظمة الحضارة الفرعونية.
وتكشف المنطقة الأثرية، التي ما زالت تشهد اكتشافات جديدة، عن جانب من الحياة اليومية والدينية للمصريين القدماء، فيما يدعو خبراء آثار إلى تحويلها لمقصد سياحي متكامل يربط بين منف وسقارة وأهرامات الجيزة، ما يعزز حضورها على خارطة السياحة الثقافية في مصر.
منف عاصمة الدولة خلال فترة العصر المبكر (حوالي 3100 – 2686 ق. م) وعصر الدولة القديمة (2686 – 2181 ق. م)، أما “ميت رهينة” فهو مشتق من الاسم المصري القديم “مت رهنت” ويعني طريق الكباش، التي كانت مقدسة لدى القدماء المصريين، حسب معلومات توردها وزارة السياحة والآثار المصرية.
تحتضن تلك المنطقة بين جنبات تاريخها العتيق متحفا مفتوحا يضم كنوزا تاريخية، حسب ما يرويه كبير الأثريين المصريين مجدي شاكر.

والمتحف المفتوح أحد عناوين الإبهار في المنطقة التي تضم أيضا العديد من أطلال المعابد مثل “البوابة الغربية لمعبد بتاح الكبير”، من عهد الملك رمسيس الثاني، ومعبد حتحور من عصر الأسرة التاسعة عشرة، ومعبد التحنيط الخاص بالعجل “أبيس” من عصر الأسرة السادسة والعشرين (من 664 إلى 526 ق. م).
ويجذب الأنظار التمثال الضخم لأشهر ملوك مصر القديمة الملك رمسيس الثاني (حوالي 1279 – 1213 ق. م) والذي يُعد نواة للمتحف، ويشتهر بعرضه وهو راقد على ظهره وليس واقفا كعادة التماثيل الفرعونية في مصر القديمة.
وقال مجدي شاكر، كبير الأثريين في وزارة السياحة والآثار المصرية، إن “ميت رهينة احتضنت عاصمة مصر الأولى القديمة مدينة منف (التي أنشئت عام 3100 ق. م)”.

pp

وأضاف “يمثل هذا الموقع الجزء الحياتي الفعلي الذي عاش فيه المصريون القدماء ومارسوا فيه تفاصيل حياتهم اليومية، في حين تمثل منطقة سقارة الجزء المماتي الخاص بالمقابر والعبادات والأموات”.
وأوضح أن المدينة بناها الملك الفرعوني مينا وعرفت تاريخيا بـ”الجدار الأبيض”، وتغير اسمها لاحقا إلى منفيس ثم منف، وظلت محتفظة بمكانتها التاريخية والسياسية الهامة رغم انتقال العاصمة في عصور لاحقة. وأشار إلى بقاء أطلال منف حتى اليوم في منطقة ميت رهينة بمركز البدرشين في محافظة الجيزة، كما هي اليوم.

ودلل شاكر على أهمية المدينة عبر التاريخ بحدثين بارزين، الأول أن الإسكندر الأكبر (الذي حكم مصر بين 336 – 323 ق. م) عندما قدم إلى مصر، وقبل أن يفكر في الذهاب إلى أي مكان آخر، توجه مباشرة إلى منف.
وأضاف “خاطب الإسكندر الأكبر الكهنة ليؤكد لهم أنه لم يأت غازيا، بل جاء كابن للمعبود آمون”.
أما الحدث الثاني الذي يشير إليه شاكر فهو أن “مرسوم حجر رشيد الشهير الذي نفتخر به جميعا كأبرز الكشوفات الأثرية أصدره كهنة منف (عام 196 ق. م)”.
وحجر رشيد نصب من أحجار البازلت الأسود يعود إلى عام 196 ق.م في عهد الملك بطليموس الخامس (حكم من سنة 203 إلى سنة 180 ق.م).

وتظهر فيه ثلاثة نصوص، النص العلوي هو اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية)، والجزء الأوسط نص الديموطيقية (لغة مصرية قديمة وكانت تستخدم في تدوين النصوص الدينية والرسمية)، والجزء الأدنى اليونانية القديمة. وفك العالم الفرنسي شامبليون شفرة الحجر عام 1822، بعد أن اكتشفه في رشيد عام 1799 جندي يدعى بيير فرانسوا بوشار من الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت على مصر (1798 – 1801)

وحول محتويات متحف ميت رهينة المفتوح، أشار شاكر إلى أنه يضم قطعا بالغة الأهمية والندرة، من أبرزها تمثالان لرمسيس الثاني (اكتشفهما الإيطالي جيوفاني باتيستا كافليليا عام 1820).
وأشار إلى أن أحد التمثالين انتقل من ميدان رمسيس وسط القاهرة ليزين حاليا المتحف المصري الكبير، والثاني بقي كما هو بميت رهينة راقدا على ظهره.
وأوضح أن والي مصر محمد علي باشا (1805 إلى 1848) عرض إهداء التمثال الراقد إلى بريطانيا، إلا أن الأخيرة عجزت عن نقله لضخامة حجمه والتكلفة الباهظة لعملية النقل، فظل ماكثا في مرقده بميت رهينة، ليظل شاهدا على معجزة هندسية.

وأوضح شاكر أن المتاحف في مصر تنقسم إلى متاحف قومية كبرى تضم آثارا من كل العصور والمناطق، كالمتحف المصري في التحرير، ومتحف الفن الإسلامي، والمتحف القبطي، واليوناني الروماني.
وأشار إلى أن النوع الثاني متاحف إقليمية مثل متاحف طنطا وكفر الشيخ (شمال) وسوهاج (جنوب)، وشرم الشيخ (شرق).
والنوع الثالث هو متاحف الموقع مثل متحف ميت رهينة، وهي متاحف تقام في الموضع الأثري ذاته لحفظ المقتنيات التي عُثر عليها في محيطه، وفق شاكر.
ومتحف ميت رهينة المفتوح يصنف ضمن النوع الأخير، ويضم بين جنباته أكثر من 60 قطعة أثرية نادرة ومكتشفة في الموضع ذاته.
ودعا شاكر إلى تعميم فكرة المتاحف المفتوحة في أكثر من موقع بمصر. وأنشأت هيئة الآثار المصرية المتحف عام 1985، ويحتوي على منصة علوية ليتمكن الزائرون والسياح من مشاهدة التمثال الضخم بطول 10 أمتار، بخلاف بقايا مجموعة من تماثيل الجرانيت والتوابيت، وبعض الأعمدة والتيجان، بحسب إعلام مصري.

عالم من الجمال

pp

وأفاد كبير الأثريين المصريين بوجود معالم أثرية هامة للغاية في محيط منطقة ميت رهينة، تحتاج إلى المزيد من الترويج، ومن أبرزها معبد تحنيط عجول أبيس، والذي يضم أسرة ومصاطب التحنيط الحجرية الأصلية في “مشهد هندسي مذهل ومثير للاهتمام”.
ولفت شاكر إلى الكشوفات الأثرية الهامة التي حققتها بعثة أثرية صينية تعمل في الموقع، حيث نجحت في الكشف عن نتائج مذهلة شملت مقصورة وهيكلا ضخما مبنيا من الحجر الجيري. وأشار إلى أن هذه الكشوفات تؤكد أن المنطقة لا تزال تزخر بالكثير من الأسرار الكامنة في باطن الأرض.

وفي فبراير الماضي أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية أن البعثة الأثرية المصرية – الصينية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار المصرية وجامعة بكين ومعهد شاندونغ للتراث الثقافي والآثار في مصر، كشفت عن مبنى مشيَّد من الحجر الجيري، يُرجّح أن يكون جزءًا من بقايا معبد الملك أبريس من عصر الأسرة السادسة والعشرين.
وفي ضوء هذا “السحر الأثري” يجزم كبير الأثريين مجدي شاكر بأن ميت رهينة تعد من أهم المدن الحضارية والتاريخية في مصر والعالم.
واقترح تحويلها إلى مزار سياحي متكامل لكي لا تقتصر زيارة السائح على ساعة واحدة للمتحف المفتوح، بل تمتد لعدة ساعات لزيارة معبد التحنيط والمواقع المجاورة قبل أن يتنقل الضيف إلى سقارة ليشاهد جانبا آخر من التاريخ المصري، ثم تقوده الجولة إلى أهرامات الجيزة وأبي الهول.

12