هل ينجح قرار هيئة الإعلام في ضبط فوضى منصات الرياضة في العراق؟

الالتزام ببيان الهيئة يعد اختبارا حقيقيا لمدى نضج الإعلام الرياضي العراقي، والقدرة على تحويل الإحباط الشعبي الراهن من طاقة تدميرية إلى قوة دفع تصحيحية.
الثلاثاء 2026/06/30
مناسبة للتصحيح

بغداد- أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية تحذيرا رسميا يمنع الإساءة والتشهير ضد المنتخب الوطني العراقي عقب خروجه من دور المجموعات في بطولة كأس العالم 2026. ودعت الهيئة وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمدونين والشخصيات العامة إلى التفريق الحاسم بين “النقد الفني الموضوعي المشروَع” وبين “خطاب التجريح والتحريض” الذي يستهدف اللاعبين أو الملاكات التدريبية والإدارية.

وجاء بيان هيئة الإعلام والاتصالات العراقية عقب إقصاء المنتخب العراقي من منافسات كأس العالم 2026 في أميركا الشمالية. وكان الشارع الرياضي العراقي يعقد آمالاً عريضة على هذه المشاركة التاريخية التي جاءت بعد غياب دام 40 عاما منذ مونديال المكسيك 1986. إلا أن تلقي ثلاث خسارات متتالية في دور المجموعات -آخرها الهزيمة الثقيلة أمام السنغال بنتيجة 5 مقابل 0- فجّر موجة غضب عارمة على منصات التواصل الاجتماعي وفي البرامج الحوارية الرياضية.

ولم يتضمن البيان الصادر عن الهيئة منعا تاما للحديث عن المنتخب، بل ركّز على ضبط أدوات التعبير وضمان “مسؤوليتها الوطنية”. وأكدت الهيئة أن تقييم الأداء التكتيكي والخططي حق مكفول وأداة أساسية لتصحيح المسار وتطوير الرياضة. ووضعت خطاً أحمر أمام محاولات اغتيال الشخصية، أو النيل من كرامة اللاعبين، أو الجهاز التدريبي بقيادة الأسترالي غراهام أرنولد والاتحاد العراقي. كما منعت استغلال الإخفاق الرياضي لبث خطابات تحريضية تمس “الوحدة الوطنية” أو تتسبب في إحباط الكفاءات المهنية.

وتحمل الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص، في العراق أبعادا تتجاوز المستطيل الأخضر؛ فهي تعد من أبرز القواسم المشتركة التي تجمع أطياف المجتمع العراقي وتُعزز الهوية الجامعة والوحدة الوطنية.

وتدرك الجهات التنظيمية أن الانفعال الجماهيري غير المنضبط عبر الفضاء الرقمي يمكن أن يتحول سريعا من عتب رياضي إلى استقطاب مجتمعي حاد يؤثر على الاستقرار الداخلي. وتتحول منصات التواصل الاجتماعي من ساحات للتعبير إلى محركات لاستقطاب مجتمعي حاد عندما يتم تضخيم الانفعالات الرياضية جماهيرياً عبر خوارزميات الإثارة. ويؤدي هذا الاحتقان الرقمي إلى استدعاء انقسامات هووية عميقة وتهديد الاستقرار الداخلي، مما يدفع الجهات التنظيمية إلى التدخل لمنع تحول السخط الافتراضي إلى اضطرابات على أرض الواقع.

موقف هيئة الإعلام والاتصالات يمثل محاولة رسمية واعية لـ"تنظيم الفوضى الإعلامية الرقمية" والحد من تداعيات الصدمة الرياضية

كما تعاني بعض البرامج الرياضية المحلية من الاعتماد على إثارة الأزمات المفتعلة، واختيار ضيوف يسعون لرفع نسب المشاهدة عبر الصراخ والتجريح الشخصي، وهو ما استهدفه التنبيه بشكل مباشر لإعادة الانضباط لوسائل الإعلام والمدونين.

ويقول خبراء إن “بعض البرامج الرياضية المحلية تنتهج نموذجا تجاريا يعتمد على صناعة الأزمة بدلاً من التغطية المهنية، حيث تتحول الأستوديوهات من منصات للتحليل الفني إلى حلبات للمساجلات الشخصية”.

ويتعمد هذا النمط الإعلامي استضافة شخصيات مستفزة تمتلك القدرة على رفع منسوب التشنج والصراخ، وتوجيه اتهامات وتجريح مباشر للاعبين والمسؤولين، بهدف وحيد هو إشعال منصات التواصل الاجتماعي وتصدر “الترند” لرفع نسب المشاهدة وعائدات الإعلانات.

وتؤدي هذه الممارسات إلى تزييف الوعي الكروي لدى الجمهور وتحويل النقاش الرياضي إلى بيئة سامة تغذي الأحقاد والشخصنة.

وبدلاً من تفكيك أسباب الفشل الرياضي وتقديم حلول علمية تخدم مستقبل اللعبة، تساهم هذه البرامج في شحن الجماهير عاطفياً وتوجيه غضبها نحو تدمير الروح المعنوية للمنظومة الرياضية، مما يجعلها أداة هدم لا بناء في توقيت يحتاج فيه المنتخب إلى الاستقرار وإعادة الهيكلة.

ورغم مرارة الخروج الرياضي من الباب الضيق للمونديال دون تحقيق أي نقطة، إلا أن المشاركة ذاتها منحت العراق مكاسب تسويقية ومالية مهمة؛ حيث جنى الاتحاد العراقي عوائد من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بلغت 12.5 مليون دولار.

هذه المفارقة تؤكد أن الفشل في الميدان واكبه نجاح مالي وتنظيمي، وهو ما يستدعي “نقدا مهنيا عاقلا” يبحث في كيفية استثمار هذه الأموال والمكتسبات لإصلاح البنية التحتية الرياضية، بدلاً من إحراق المراكب وتدمير ما تم بناؤه.

ويمثل موقف هيئة الإعلام والاتصالات محاولة رسمية واعية لـ “تنظيم الفوضى الإعلامية الرقمية” والحد من تداعيات الصدمة الرياضية. إن الالتزام ببيان الهيئة يعد اختبارا حقيقيا لمدى نضج الإعلام الرياضي العراقي، والقدرة على تحويل الإحباط الشعبي الراهن من طاقة تدميرية إلى قوة دفع تصحيحية تبدأ بفتح ملفات التخطيط الفني بحقائق وأرقام رصينة، بعيدا عن صخب الشتائم الافتراضية.

5