من الطين إلى النار.. الفخار البحريني يحكي الهوية
يواصل الحرفيون تحويل الطين إلى قطع عملية وجمالية، رغم تحديات الحداثة، يحافظ المبدعون على التراث عبر الابتكار والتطوير، مقدمين نموذجًا حيًا يوازن بين الأصالة والاستدامة ويعزز الهوية الثقافية ويثري السياحة المحلية ويورث الخبرة للأجيال القادمة باستمرار.
المنامة - بين دولاب يدور كعجلة الزمن، وكتل طينية صماء تتحول تحت ضغط الأصابع إلى أوانٍ تنبض بالحياة، تتجسد حكاية الفخار البحريني كواحدة من أقدم الحرف التي قاومت تغيرات العصر. في ورشة تفوح منها رائحة الأرض الممزوجة بالماء، يواصل الحرفي البحريني علي عبدالله الشغل كتابة فصل جديد من تاريخ هذه المهنة، حيث تلتقي الأصالة بالابتكار لتشكّل ملامح هوية وطنية متجذرة في الذاكرة الجماعية.
بالنسبة لعلي عبدالله، لم تكن صناعة الفخار مجرد حرفة يدوية، بل إرثًا عائليًا انتقل عبر الأجيال. نشأ وسط بيئة تتنفس الحرف التقليدية، يراقب والده وجده وهما يحولان الطين إلى أشكال تخدم الحياة اليومية.
يقول "تعلمت أسرار الفخار منذ الصغر. كنت أراقب كيف تتمايل القطعة بين أيديهم لتصبح جرة أو حِبًّا، ومع مرور الوقت لم يعد الفخار مجرد ممارسة، بل أصبح جزءًا من هويتي ومصدر فخر شخصي".
هذا الارتباط العاطفي بالمهنة هو ما منحه القدرة على الاستمرار رغم ما تتطلبه من صبر ومهارة. فالفخار، كما يصفه، ليس مجرد تشكيل للطين، بل رحلة دقيقة من الانتباه والتوازن. “رؤية القطعة مكتملة تمنحني شعورًا عميقًا بالرضا”، يقول علي، مضيفًا أن إحساسه بالأمانة تجاه تراث الأجداد يدفعه للحفاظ على هذه الصناعة من الاندثار.
وتميزت القطعة الفخارية البحرينية تاريخيًا ببساطتها ووظيفتها العملية. لم تُصنع للزينة فقط، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية. فـ"الحِب"” الفخاري كان وسيلة طبيعية لتبريد الماء في أيام الحر، بينما استخدمت القدور والمباخر في الطهي وتعطير المنازل. هذه الأدوات لم تكن مجرد أوانٍ، بل تجسيدًا لعلاقة الإنسان بالبيئة، حيث يلتقي الطين بالماء والنار ليخدم احتياجات المجتمع.
ويؤكد عبدالله أن الفخار البحريني يعكس روح البساطة والاعتماد على الموارد المحلية. فالطين المستخدم يُستخرج من منطقة الحنينية بالتنسيق مع الجهات البلدية، ثم يمر بسلسلة من عمليات التصفية والتجهيز اليدوي قبل أن يصل إلى دولاب التشكيل. هذه المرحلة تتطلب خبرة في اختيار القوام المناسب، إذ إن جودة الطين تحدد متانة القطعة وجمالها.
وراء كل قطعة فخار معروضة جهدٌ قد لا يلحظه المقتني. فالقطعة الواحدة تستغرق ما بين 12 و15 يومًا لتكتمل، تمر خلالها بمراحل دقيقة تبدأ بالتشكيل اليدوي، ثم التجفيف البطيء لتجنب التشقق، وصولًا إلى الحرق في أفران تصل حرارتها إلى نحو 1000 درجة مئوية. هذه العملية تحوّل الطين الهش إلى مادة صلبة قادرة على الاستخدام اليومي.
ويوضح عبدالله أن التحدي الأكبر يكمن في التحكم في سماكة القطعة، خاصة أن الطين البحريني يتميز بمسامية عالية. يقول "يعتقد البعض أن الفخار عمل بسيط، لكن الحقيقة أن الحرق وحده قد يستغرق 11 ساعة متواصلة للقطع الصغيرة، بينما تتطلب القطع الكبيرة دقة مضاعفة لتفادي الكسر.”
هذه التفاصيل التقنية تكشف أن الفخار ليس مجرد حرفة تقليدية، بل علم قائم على التجربة والخبرة.
ويواجه الفخار البحريني تحديات العصر، أبرزها انتشار المنتجات البلاستيكية والمعدنية التي تنافسه في الاستخدام اليومي، إضافة إلى تراجع اهتمام بعض الشباب بتعلم "مهنة المتاعب".
ومع ذلك، يرى عبدالله أن الابتكار هو السبيل للحفاظ على المهنة.
يقول "لم نتوقف عند الماضي”، مشيرا إلى إدخال تصاميم حديثة تلائم الذوق المعاصر، مثل الأباجورات وإضاءات الحدائق المصنوعة من الفخار. هذا التوجه يمنح الحرفة بُعدًا جديدًا، حيث تتحول القطع التقليدية إلى عناصر ديكور تجمع بين الجمال والوظيفة.
وفي إطار الاهتمام بالاستدامة البيئية، تسعى الورشة إلى استخدام أفران كهربائية أقل انبعاثًا، إلى جانب إعادة تدوير الطين غير المحروق، واستخدام القطع التالفة كعوازل حرارية داخل الأفران. هذه الخطوات تعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الحفاظ على البيئة، مع استمرار الإنتاج بأساليب أكثر تطورًا.
وتمتد قيمة الفخار البحريني إلى دوره في دعم السياحة الثقافية. فالمشاركة في المهرجانات المحلية والدولية تتيح عرض هذه الصناعة أمام جمهور واسع، ما يعزز حضورها كجزء من الهوية الوطنية. ويرى علي عبدالله أن دعم هذه الفعاليات يساهم في إبقاء الحرفة حيّة، ويمنح الحرفيين فرصة للتفاعل مع أسواق جديدة.
كما أن الفخار يمثل وسيلة تعليمية تربط الأجيال الجديدة بتاريخها، إذ تمنح الورش المفتوحة والزوار فرصة التعرف على مراحل الإنتاج، ما يعزز تقديرهم لقيمة العمل اليدوي.
وفي ختام حديثه، يوجه عبدالله رسالة إلى الشباب مفادها أن صانع الفخار ليس مجرد عامل، بل فنان يطوّع الطين ليمنحه روحًا واستمرارية. فكل قطعة تحمل توقيع صاحبها، وتشهد على قدرة الإنسان على تحويل عناصر الطبيعة إلى أدوات تخدم الحياة اليومية.
يقول "إن الفخار قصة صبر وانتماء. حين تمسك الطين بيديك، تشعر بأنك تواصل حكاية بدأت قبل مئات السنين".
