مقام أبي ذر الغفاري يجمع دروز الجولان على دعاء واحد للسلام
الجولان- أحيا أبناء الموحدين الدروز في هضبة الجولان زيارتهم السنوية لمقام أبي ذر الغفاري، الواقع بين بلدتي مسعدة ومجدل شمس، في الجانب الإسرائيلي من هضبة الجولان.
وجاءت الزيارة بعد انقطاع دام عامين فرضته الحرب وأحداث السويداء الدامية، لتتحول المناسبة إلى رسالة وحدة ودعاء مشترك بوقف نزيف الدم، وعودة المهجرين، ولقاء قريب يجمع أبناء الطائفة من سوريا ولبنان والأردن.
وشارك في الزيارة مشايخ ووفود من قرى الجولان والجليل والكرمل، يتقدمهم الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل. ارتفعت الأصوات مطالبة بالسلام وتعزيز الألفة والمحبة والتكاتف. وأعرب المشاركون عن أملهم في أن تعم السلام الأيام المقبلة، وأن تُقام الزيارات القادمة بمشاركة أوسع من أبناء الطائفة عبر الحدود التي فرقت العائلات لعقود.
وفرض العامان الماضيان غياباً قسرياً عن هذا الموعد السنوي. وشهدت محافظة السويداء، أكبر تجمع للدروز في سوريا، موجات عنف دامية في يوليو 2025 بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية، ثم تدخلت قوات حكومية، مما أسفر عن مئات القتلى ونزوح عشرات الآلاف. ووثقت تقارير حقوقية انتهاكات واسعة شملت قتلاً وتعذيباً ونهباً وتشريدًا قسريًا، طالت المدنيين من الجانبين، مع موجات متتالية من العنف أدت إلى تهجير جماعي. جاءت هذه الأحداث في سياق توترات أوسع بعد سقوط نظام الأسد، وامتدت تداعياتها إلى مخاوف على سلامة الطائفة في الجنوب السوري.
أثرت هذه المجازر والحرب الإقليمية على التواصل الديني والاجتماعي بين دروز الجولان وإخوانهم في سوريا. فدروز الجولان، الذين يقدر عددهم بنحو 20-25 ألفاً، يتمسكون في غالبيتهم بهويتهم السورية، ويرفض كثيرون الجنسية الإسرائيلية رغم عقود من السيطرة الإسرائيلية منذ 1967 وضم الهضبة عام 1981. الحدود المفروضة حولت الزيارات العائلية والدينية إلى أمر نادر وصعب، وزادت أحداث السويداء من الشعور بالألم المشترك والحاجة إلى التضامن.
ويقع المقام بين مسعدة ومجدل شمس، ويُعتبر نقطة التقاء روحية.
وأبو ذر الغفاري، الصحابي الجليل جندب بن جنادة، يُعرف بصدقه وزهده وجرأته في قول الحق. مدحه النبي محمد صلى الله عليه وسلم. شارك في الفتوحات، وعاش فترة في الشام، ويُنسب إليه مقامات متعددة في المنطقة تعكس احترامه الشعبي، سواء كانت رمزية أو مرتبطة بروايات محلية عن إقامته. في الجولان وسوريا، يتحول مثل هذه المقامات إلى فضاءات للتعارف والدعاء واستذكار القيم المشتركة.
وليست الزيارة مجرد طقس ديني؛ بل هي تأكيد على الهوية التوحيدية التي تجمع الدروز رغم الانقسامات السياسية والجغرافية. الطائفة الموزعة بين سوريا ولبنان وإسرائيل والأردن تواجه تحديات مشتركة: الحفاظ على الخصوصية الدينية، وحماية أبنائها من العنف الطائفي، والتعامل مع الحدود المغلقة. في السنوات الأخيرة، شهدت بعض الزيارات النادرة لدروز سوريين إلى مقام النبي شعيب في الجليل، مما فتح أبواباً محدودة للتواصل بعد عقود من الانقطاع، لكن أحداث السويداء أعادت إحياء الشعور بالخطر والحاجة إلى الوحدة.
ويحمل التجمع أبعاداً تتجاوز الجانب الروحي. في ظل التوترات الإقليمية، يرى كثير من الدروز في مثل هذه المناسبات فرصة لتوجيه رسائل سلام ورفض للعنف. الدعوات لعودة المهجرين ولمّ شمل العائلات تعكس واقع آلاف الأسر المشتتة، سواء بسبب الحرب السورية أو الاحتلال أو الأحداث الأخيرة.
وتسعى القيادات الدرزية غالباً إلى تعزيز الروابط الداخلية للطائفة، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع السلطات المختلفة.
ويعكس الحدث قدرة الرموز الدينية على تجاوز السياسة اليومية. في وقت يعاني فيه الجنوب السوري من هشاشة أمنية واقتصادية، ويعيش دروز الجولان تحت إدارة إسرائيلية مع تمسك بالهوية السورية، يأتي المقام ليذكر بأن الروابط الإنسانية والدينية أعمق من الخطوط العسكرية. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة: استمرار النزوح، وصعوبة الزيارات المتبادلة، والمخاوف من تجدد العنف.
وانتهت الزيارة بدعوات لتعزيز التكاتف ورفع البلاء عن الأهل في سوريا، وأمل في سلام يسمح بزيارات مشتركة حقيقية.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التجمعات قد تساهم في بناء جسور ثقة، خاصة إذا ترافقت مع تحسن في الأوضاع الأمنية في السويداء وعودة تدريجية للمهجرين. كما أنها تؤكد على دور القيادة الروحية في الحفاظ على تماسك الطائفة وسط العواصف السياسية.