معركة موازية لتشكيل رأي جيل حول غزة عبر الذكاء الاصطناعي

أصبحت المعركة على "الحقيقة" أيضاً معركة على ما "يتعلمه" الذكاء الاصطناعي وما يكرره.
الأحد 2026/08/16
محاولة لدحض سردية

واشنطن- تقود إسرائيل حملة للتأثير في طريقة إجابة نماذج مثل شات.جي.بي.تي وبربليكستي عن قضايا غزة، عبر نشر محتوى مؤيّد لإسرائيل على الإنترنت. ووفق وثائق قُدّمت إلى وزارة العدل الأميركية بموجب قانون تسجيل العملاء الأجانب، تعاقدت شركة العلاقات العامة الفرنسية "هافاس ميديا" (Havas Media) مع وكالة إعلانات ضمن حملة بقيمة 100 ألف دولار لإنتاج مواد تتعلّق بإسرائيل.

وأنشأت الحملة موقع "معهد هانوفر للسياسة العامة" الذي نشر عشرات التقارير التي تتناول أسئلة مثل "هل الجيش الإسرائيليّ هو الأكثر أخلاقية في العالم؟" و"هل توجد سياسة تجويع في غزة؟"، بصيغة تشير إلى أنها صُمّمت جزئياً لتظهر في إجابات نماذج الذكاء الاصطناعيّ. وأظهرت اختبارات أجرتها "بوليتيكو" أن شات.جي.بي.تي وبربليكستي استشهدا بالفعل بمحتوى المعهد عند الإجابة عن أسئلة تتعلّق بغزة.

والحملة الجديدة ليست الأولى. سبق أن كشفت تحقيقات  في يوليو 2026 عن عملية أوسع نطاقاً يديرها براد بارسكال، المدير السابق لحملة دونالد ترامب الانتخابية، عبر شركته Clock Tower X. تبلغ قيمة العقد 46.5 مليون دولار (ارتفعت من 1.5 مليون دولار شهرياً إلى 4.5 مليون).

أنشأت الشركة شبكة من نحو 10 مواقع إلكترونية، كل منها يركز على رواية إسرائيلية محددة: أحدها يروج لإسرائيل كـ"أمة سلام"، وآخر يدافع عن التعاون العسكري الأميركي-الإسرائيلي، وثالث "يُفنّد" ادعاءات الإبادة أو يشكك في روايات عن الصحفيين الفلسطينيين أو حادثة هند رجب. المواقع تجذب مئات الزوار البشريين شهرياً فقط، لكنها مصممة لتُفهرس من قبل محركات البحث وزواحف الويب، المستخدمة في تدريب معظم نماذج اللغة الكبيرة.

تعتمد النماذج الكبيرة على بيانات ضخمة من الويب. من خلال إنشاء محتوى منظم، مصدر ظاهرياً، مكتوب بنبرة "واقعية"، يزيد احتمال استيعابه في التدريب أو الاستشهاد به أثناء البحث اللحظي. الخبراء يصفون هذا بـ"تحسين محركات التوليد".

ويفضل المحتوى الذي يقدم جانباً من النقاش من قبل النماذج التي تسعى إلى التواازن. ويعكس هذا التحول إدراك إسرائيل لتراجع الرواية التقليدية في الإعلام الغربي ووسائل التواصل، خاصة بين الأجيال الشابة.

وبدلاً من الاعتماد فقط على الإعلانات أو المؤثرين، انتقلت المعركة إلى الطبقة الأساسية التي تشكل معرفة الملايين: الخوارزميات التي يجيب بها الناس عن أسئلتهم اليومية.

ولا تقتصر المعركة في الذكاء الاصطناعي على الرواية. استخدمت إسرائيل أدوات ذكاء اصطناعي عسكرية واسعة في غزة، مثل نظام "لافندر" لتوليد قوائم أهداف بشرية، و"الحبسورة" (الإنجيل) لتوليد أهداف بنية تحتية بمعدلات غير مسبوقة.

وكشفت تحقيقات  عن الاعتماد على أنظمة من مايكروسوفت وأوبن.ايه.إي وغوغل وامازون في التحليل والترجمة والمراقبة. كما طورت وحدة 8200 نموذجاً لغوياً مدرباً على محادثات عربية مراقبة. هذه الاستخدامات أثارت نقاشات أخلاقية وقانونية حول التمييز بين المدنيين والمقاتلين ودقة الخوارزميات.في الوقت نفسه، تستخدم أطراف أخرى الذكاء الاصطناعي في توليد صور ومقاطع مضللة أو في تحليل البيانات. النتيجة أن ساحة المعركة المعلوماتية أصبحت متعددة الطبقات: عسكرية، إعلامية، وخوارزمية.ا

وتثير الحملات أسئلة جوهرية حول نزاهة مصادر المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي. إذا نجحت دول أو جماعات في "تسميم" بيانات التدريب، فإن الإجابات التي يتلقاها المستخدمون العاديون قد تعكس روايات مدفوعة الأجر دون إفصاح واضح. 

وقد أصبحت المعركة على "الحقيقة" أيضاً معركة على ما "يتعلمه" الذكاء الاصطناعي وما يكرره. هذا يتطلب يقظة من المستخدمين والباحثين والشركات والمنظمين على حد سواء، لأن السيطرة على الرواية لم تعد فقط عبر الإعلام، بل عبر ما يُغذى به "العقل" الآلي الجماعي.