مصر: الإعلام الرياضي تحت رقابة المجلس الأعلى
القاهرة- دخل الإعلام الرياضي المصري مرحلة جديدة من التشدد الرقابي بعد قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منع نجم الأهلي السابق أحمد بلال من الظهور في جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة للقانون لمدة ثلاثة أسابيع، إلى جانب إلزام قناة الأهلي بسداد غرامة مالية قدرها 50 ألف جنيه، على خلفية مخالفات رصدها المجلس في إحدى حلقات برنامج «هنا الأهلي».
ويعيد القرار إلى الواجهة العلاقة المتوترة أحياناً بين طبيعة البرامج الرياضية، التي تقوم على النقاش الحاد والمنافسة الجماهيرية، وبين القواعد التي تحكم العمل الإعلامي في مصر، خصوصاً عندما تتحول الخلافات الرياضية إلى تصريحات أو مواقف ترى الجهات الرقابية أنها تتجاوز الأكواد والمعايير المهنية.
وأعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة خالد عبدالعزيز، أن العقوبة جاءت بناء على توصية لجنة الشكاوى، وبعد الاطلاع على تقرير الإدارة العامة للرصد، والاستماع إلى ممثل قناة الأهلي خلال جلسة عقدتها اللجنة.
ولم يفصل البيان الرسمي في طبيعة العبارات أو الوقائع التي اعتبرها المجلس مخالفة، مكتفياً بالإشارة إلى أن ما جرى في الحلقة التي أذيعت في 31 أغسطس الماضي جاء بالمخالفة للأكواد والمعايير المنظمة للعمل الإعلامي. ويجعل ذلك من القرار، في هذه المرحلة، قضية تنظيمية أكثر من كونه حكماً على مضمون محدد لم يتم نشر تفاصيله كاملة.
وتكشف الواقعة عن اتساع المساحة التي أصبح يحتلها الإعلام الرياضي داخل المشهد الإعلامي المصري. فالبرامج الرياضية لم تعد تقتصر على نقل المباريات وتحليل الأداء الفني، وإنما تحولت إلى منصات واسعة التأثير تستضيف اللاعبين السابقين والإداريين والإعلاميين والجماهير، وتتناول قضايا الأندية والانتقالات والتحكيم والقرارات الإدارية.
وتمنح هذه الطبيعة البرامج الرياضية قدرة كبيرة على جذب المشاهدين، لكنها في الوقت نفسه تجعلها أكثر عرضة للاحتكاك بالمعايير الإعلامية، خصوصاً عندما تتداخل المنافسة بين الأندية مع الخطاب الجماهيري.
وتزداد حساسية الأمر في حالة الأندية الجماهيرية الكبرى مثل الأهلي والزمالك، حيث يمكن لتصريح يصدر في برنامج رياضي أن يتحول خلال ساعات إلى مادة للنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، وأن يتجاوز جمهوره التلفزيوني الأصلي.
تعتمد البرامج الرياضية في جانب كبير من جاذبيتها على الشخصيات المثيرة للجدل والآراء الحادة، وهي عناصر تساعد على رفع المشاهدة والتفاعل. لكن هذه المعادلة تصطدم بحدود أخرى تضعها القواعد المنظمة للعمل الإعلامي.
ومن هنا تبرز معضلة متكررة: كيف يمكن الحفاظ على مساحة النقاش الرياضي الحاد، الذي يعد جزءاً من طبيعة المنافسة الجماهيرية، من دون أن يتحول إلى خطاب يتجاوز القواعد المهنية؟
◄ إلزام قناة الأهلي بسداد غرامة مالية قدرها 50 ألف جنيه، على خلفية مخالفات رصدها المجلس في إحدى حلقات برنامج "هنا الأهلي"
ويصبح السؤال أكثر أهمية عندما يكون المتحدث لاعباً سابقاً أو شخصية ذات جماهيرية، لأن موقعه السابق داخل النادي يمنح تصريحاته وزناً أكبر لدى المشجعين، وقد يجعل الخلاف الرياضي أكثر قابلية للتحول إلى مواجهة جماهيرية.
لا يقتصر قرار المجلس على أحمد بلال، بل يشمل أيضاً قناة الأهلي نفسها، التي تعرضت لغرامة مالية بسبب الحلقة ذاتها.
وهذا التفصيل مهم، لأنه يشير إلى أن المسؤولية الرقابية لا تتوقف بالضرورة عند الشخص الذي يدلي بالتصريحات، وإنما يمكن أن تمتد إلى الوسيلة الإعلامية التي بثت المحتوى، وفقاً للمعايير والقواعد التي تنظم عملها.
وتأتي هذه المساءلة في سياق أوسع تعمل فيه المؤسسات الإعلامية على تحقيق التوازن بين متطلبات جذب الجمهور والالتزام بالضوابط المهنية والقانونية.
وتملك قناة الأهلي خصوصية إضافية باعتبارها الذراع الإعلامية لنادٍ يتمتع بقاعدة جماهيرية ضخمة، ما يجعل المحتوى الذي تبثه جزءاً من صناعة صورة النادي وخطابه أمام جمهوره، وليس مجرد برنامج رياضي تقليدي.
لا تعني الواقعة بالضرورة تحولاً شاملاً في سياسة الإعلام الرياضي المصري، لكنها تقدم مؤشراً على أن البرامج الرياضية باتت تخضع بدرجة أكبر للتدقيق الرقابي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الذي يمكن أن يثير الجدل أو يؤثر في الرأي العام الرياضي.
كما تطرح العقوبة سؤالاً حول الحدود الفاصلة بين النقد الرياضي المشروع والخطاب الذي ترى الجهات التنظيمية أنه يخرج عن المعايير المهنية. وهو سؤال لا يخص مصر وحدها، إذ تواجه المنصات الرياضية في كثير من الدول العربية معضلة التعامل مع إعلام يقوم على المنافسة والإثارة في بيئة جماهيرية شديدة الحساسية.
وفي الحالة المصرية، تكتسب المسألة أهمية إضافية بسبب الوزن الجماهيري للأندية، واتساع انتشار البرامج الرياضية عبر التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، وتحول بعض العاملين فيها إلى مؤثرين يتجاوز حضورهم حدود الشاشة.
وبذلك، فإن قرار منع أحمد بلال وتغريم قناة الأهلي لا يمثل فقط عقوبة على حلقة بعينها، بل يسلط الضوء على مرحلة تتزايد فيها الرقابة على الإعلام الرياضي، وعلى محاولة رسم حدود أكثر وضوحاً بين حرية النقاش الرياضي ومتطلبات التنظيم الإعلامي.
ويبقى تحديد طبيعة المخالفات التي دفعت المجلس إلى اتخاذ القرار عاملاً مهماً لفهم مدى اتساع هذه الحدود، خصوصاً أن البيان الرسمي اكتفى بالإشارة إلى مخالفة الأكواد والمعايير دون نشر تفاصيل المحتوى محل العقوبة.
وفي النهاية، تبدو القضية أكبر من اسم لاعب أو حلقة برنامج؛ فهي تعكس التحدي الذي يواجه الإعلام الرياضي المصري في الحفاظ على قدرته على جذب الجمهور وإدارة النقاش الحاد، من دون تجاوز السقف الذي تضعه الجهات المنظمة للعمل الإعلامي.