مجتبى.. "المقدس الجديد" الذي يحاول حزب الله فرضه على الإعلام اللبناني
برنامج “مش مسرحية” الذي يقدمه الإعلامي جو معلوف، صُمم كمنصة شبابية حوارية لعكس آراء الأجيال الصاعدة بجرأة وبدون مقص رقيب، غير أن إحدى الحلقات تحولت إلى شرارة أشعلت الشارع الافتراضي والسياسي، في خضم مشادة كلامية حادة حول الانتماء والهوية والسلاح.
بيروت - تحولت عبارة “يا علي مجتبى” التي وردت خلال برنامج “مش مسرحية” إلى موجة من السجال الطائفي والإعلامي الحاد في لبنان، يرى مراقبون أنها تدفع نحو رسم “خطوط حمراء جديدة” يتشدد فيها حزب الله وبيئته لمنع المساس بالوجود الإيراني السياسي في لبنان تحت طائلة تفجير الوضع الداخلي.
وخلال إحدى حلقات البرنامج الشبابي الحواري “مش مسرحية” الذي يقدمه الإعلامي جو معلوف على شاشة قناة “أم.تي.في” اللبنانية، أطلت مشاركة تُدعى مريم الصيداني متوجهة بالحديث للمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامئني، وقالت بنبرة منفعلة “تعلّم من تاريخنا يا علي مجتبى، متل ما إجى الفلسطيني ورحل، ومتل ما إجى السوري ورحل، أنتم سوف ترحلون بالترحيل وليس بالرحيل… الأرض لنا ستبقى”.
وقال حساب:
وبسبب الخلط اللفظي في الأسماء ودمج اسم المرشد الإيراني باسم شاب شيعي مشارك في البرنامج، اعتقد المتابعون وجمهور حزب الله أنها تهاجم وتتوعد الشاب الشيعي المشارك في الحلقة (علي مجتبى) بالتهجير.
وبناءً على هذا الالتباس، تعرضت الفتاة لحملات تنمر إلكتروني واسعة النطاق من قبل الحسابات والمنصات التابعة للبيئة الحاضنة للحزب، في خطوة وصفتها جهات معارضة ومستقلة بأنها محاولة صريحة لـ”الاغتيال المعنوي” وترهيب أي صوت ينتقد النفوذ الإيراني في لبنان.
وشن ناشطون عبر منصات التواصل هجوما لاذعا على الفتاة، شمل السخرية من طريقة إلقائها ومحاولة تصويرها كـ”غير مثقفة” تجهل التاريخ والسياسة، خاصة أنها أخطأت في اسم المرشد.
وسارعت بعض المنصات والوسائل الإعلامية المحسوبة على الحزب مثل جريدة الأخبار اللبنانية إلى تأطير كلامها ضمن خانة “التحريض الطائفي لخدمة الأجندات الخارجية” والعدو الإسرائيلي، متجاهلة التوضيح المتعلق بالخلفية السياسية لكلامها الموجه لطهران.
وتحول اسم علي مجتبى كليا إلى مادة للبحث والسخرية المتبادلة على تطبيقات مثل تيك توك، حيث رأت أطراف سياسية معارضة أن ضخامة الحملة العنيفة ضد الشابة تثبت رغبة الحزب في استغلال أي زلة لسان لفرض رقابة صارمة، ومنع توجيه أي نقد لمنظومة الحكم الإيرانية داخل الشاشات اللبنانية.
بالمقابل، دافع مقدم البرنامج جو معلوف عبر حساباته عن حرية التعبير، معتبرا أن منصته تعكس بجرأة وبدون رتوش ما يدور في صالونات وبيوت اللبنانيين من انقسامات حقيقية ومخاوف متبادلة، مؤكدا رفضه لأي محاولات لإسكات منبره.
وانطلاقا من هذا السجال، يسعى حزب الله وحلفاؤه إلى فرض معادلة صارمة تمنع توجيه أي انتقادات للنفوذ الإيراني أو لشخص المرشد الأعلى الإيراني عبر الشاشات اللبنانية، مستغلين الالتباس والجدل المثار حول حلقة برنامج “مش مسرحية” لترسيم “مقدسات سياسية” جديدة يتجاوز بها النقد المحلي.
وجاء التوضيح اللاحق للمشاركة مريم الصيداني ليؤكد المؤكد، حيث صرحت عبر وسائل الإعلام مثل موقع لبنان الكبير قائلة “انفعلت لأنني تخيلت مجتبى خامنئي أمامي، وليس الشاب الشيعي المشارك”. وأوضحت أنها كانت توجه رسالة سياسية باللغة الفارسية تهاجم النظام الإيراني الذي تسبب بتهجير وتدمير أرزاق اللبنانيين في الجنوب وحروب المنطقة.
ويرى مراقبون أن طريقة تعامل ماكينة حزب الله الإعلامية مع هذا الحدث تكشف عن عدة أهداف إستراتيجية، أولها عزل السياسة الإيرانية عن المساءلة اللبنانية عبر تحصين الرموز الإيرانية، إذ يسعى الحزب إلى نقل مسؤولي طهران والمرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى مصاف “المحرمات” التي يُمنع التلفزيون اللبناني من مهاجمتها. كما تدرج المنصات التابعة للحزب أي هجوم على الدور الإقليمي لإيران ضمن سرديات “خدمة العدو الإسرائيلي” والتحريض الخارجي، بهدف تجريم الخطاب السياسي المعارض.
كما يستخدم حزب الله الترهيب الإلكتروني والاغتيال المعنوي، فقد ركزت اللجان الإلكترونية على تحوير الخطاب عمدا من سياسي موجه لطهران إلى طائفي موجه لشيعة لبنان، لتبرير حملات التنمر والتهديد التي طالت الفتاة.
ويهدف هذا الهجوم العنيف والممنهج على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات مثل تيك توك إلى ترهيب فئة الشباب المستقل، وإرسال رسالة واضحة مفادها أن ثمن انتقاد المحور الإيراني سيكون مكلفا شخصيا ومعنويا.
وسعى حزب الله ثالثا إلى تقييد الحريات الإعلامية تحت شعار السلم الأهلي، فبيئة حزب الله تستخدم مثل هذه السجالات للضغط على قنوات مثل أم.تي.في اللبنانية لفرض رقابة ذاتية مشددة على ضيوفها ومواضيعها.
ويتم توظيف مصطلحات “منع الفتنة” و”حماية السلم الأهلي” كغطاء قانوني وسياسي لقمع البرامج الحوارية الحرة التي تسلط الضوء على الهيمنة الإيرانية في لبنان.