لبنان يحاول فرض قواعد اشتباك أخلاقية في الفضاء الرقمي
أصبحت أدوات الترفيه الرقمي والذكاء الاصطناعي في يد الجيوش الإلكترونية وقودا جديدا لصراع قديم، مما يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ غير مسبوق لضبط فضاء لا يعترف بالحدود الجغرافية أو الخطوط الحمراء التقليدية.
بيروت- في محاولة لفرض “قواعد اشتباك” أخلاقية على الفضاء الرقمي المتفجر، وضعت الحكومة اللبنانية مبادرات لمكافحة خطاب الكراهية في مقدمة أجندتها الوطنية، معتبرة أن “الأمن السيبراني المجتمعي” لا يقل أهمية عن الأمن الميداني.
تتمحور المبادرة الحكومية، التي تقودها وزارة الإعلام بالتعاون مع منظمات دولية، حول إرساء “ميثاق شرف رقمي” يهدف إلى إلزام المؤسسات الإعلامية والمؤثرين بمعايير دقيقة تمنع الانزلاق نحو التحريض الطائفي. وتتضمن المبادرة إطلاق منصة رصد وطنية تعمل على تتبع المصطلحات التحريضية وتحليل تدفق “الأخبار الزائفة” التي تُستخدم كوقود لخطاب الكراهية، بهدف إصدار تقارير دورية تضع الرأي العام والجهات القضائية أمام مسؤولياتهما.
وقال وزير الإعلام اللبناني بول مرقص إن الوزارة تعمل على أربعة مستويات لمعالجة ظاهرة الإساءة وخطاب الكراهية عبر المنصات الرقمية ، تبدأ بحملات توعية وتثقيف بالتعاون مع منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ بهدف تعزيز الاستخدام الإيجابي لوسائل التواصل الاجتماعي.
واضاف مرقص أن وزارة الإعلام تنفّذ سلسلة تحركات تهدف إلى ترشيد الخطاب على مواقع التواصل الاجتماعي..مشيراً إلى أن دور الوزارة يتركّز على التوعية والتنسيق فيما تبقى الملاحقات القضائية من صلاحية القضاء والضابطة العدلية.

وبحسب مسؤولين حكوميين، فإن المبادرة لا تكتفي بالجانب النظري، بل تشمل إنشاء “وحدة استجابة سريعة” إعلامية مهمتها تفنيد الشائعات في لحظات صدورها، خاصة تلك التي تمس السلم الأهلي أو تستهدف الفئات الضعيفة، وذلك لقطع الطريق على الجيوش الإلكترونية قبل وصول محتواها إلى مرحلة “الانتشار الفايروسي”.
وتسعى الحكومة من خلال هذه الخطوات إلى سد الفراغ التشريعي، حيث تعمل بالتوازي مع لجنة الإعلام والاتصالات البرلمانية لتسريع إقرار بنود قانونية تُعنى بـ”الجرائم الإلكترونية الناتجة عن الكراهية”. وتهدف هذه التعديلات إلى منح الأجهزة الأمنية والقضائية أدوات واضحة للتفريق بين النقد السياسي المشروع وبين “الاغتيال المعنوي” والتحريض المباشر على العنف، وهي المعضلة التي طالما استغلتها القوى المتصارعة.
ومع ذلك يقرّ القائمون على المبادرة بأن التحدي الأكبر يكمن في “التمويل والاستدامة”؛ إذ يعتمد الشق التنفيذي للمبادرة بشكل كبير على الهبات الدولية والتعاون التقني مع شركات التكنولوجيا الكبرى لتطوير أدوات رصد باللغة العربية واللكنة اللبنانية المحلية، وهو أمر لا يزال قيد التفاوض المعقد.
ورغم شمولية هذه الإجراءات يتساءل معلقون عن قدرة “مؤسسات الدولة الضعيفة” على فرض هذه المعايير على جهات سياسية تمتلك إمبراطوريات إعلامية ومنصات رقمية عابرة للحدود. فالمبادرة الحكومية، في جوهرها، تخوض سباقاً مع الزمن لتثبيت قيم “الدولة” في فضاء افتراضي يميل بطبعه نحو “الفوضى المنظمة”.
ويعتقد مراقبون ومحللون في الشأن اللبناني أن الإجابة لا تكمن في المفاضلة بين القانون والوعي، بل في خلق تكامل بنيوي بينهما؛ ففي بيئة شديدة التعقيد مثل لبنان، يظل القانون “أعرج” دون حاضنة شعبية، والوعي “عاجزا” دون قوة تحميه.
وفي هذا السياق يؤكدون أنه لا يمكن لخطاب الكراهية أن يتراجع ما لم يشعر المحرضون بوجود ثمن سياسي وقانوني لأفعالهم. ففي لبنان أدى “الإفلات من العقاب” تاريخيا إلى تحويل التحريض إلى مهنة مربحة للجيوش الإلكترونية. لذا، فإن وجود نصوص قانونية واضحة، تُطبق باستقلالية بعيداً عن الضغوط الحزبية، هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول “حرية التعبير” إلى “غابة رقمية” تهدد السلم الأهلي. القانون هنا ليس أداة للقمع، بل هو “مسطرة” تضع حدوداً فاصلة بين النقد البنّاء والتحريض المميت.
على الجانب الآخر، يرى خبراء الاجتماع أن القوانين الزجرية قد تنجح في إسكات الأصوات، لكنها لا تقتلع الكراهية من النفوس. وهنا يأتي دور الوعي المجتمعي الذي يبدأ من التربية الإعلامية في المدارس والجامعات. إن قدرة المواطن على تمييز “الأخبار الزائفة” ورفض الانجرار خلف “الغرائز الطائفية” الرقمية هي التي تُفقد الجيوش الإلكترونية فاعليتها. الوعي هو الذي يحول المستخدم من “أداة تفاعل” سلبية تزيد من انتشار الكراهية، إلى “فلتر” يوقف تدفق السموم الرقمية قبل وصولها إلى بيئته المحيطة.
ولم تكن حادثة السخرية من الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، مجرد عاصفة عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل كشفت عن عمق التصدعات الطائفية التي تغذيها التقنيات الحديثة. ففي مطلع مايو الجاري بثت قناة إل.بي.سي.إي اللبنانية مقطع فيديو صُوّر باستخدام الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه قاسم ومقاتلو الحزب بشخصيات كرتونية مستوحاة من لعبة “الطيور الغاضبة”، وهم يهاجمون جنوداً إسرائيليين مُثلوا بهيئة “خنازير”.
واعتبر أنصار حزب الله أن تصوير مرجعيتهم السياسية والدينية بهذا الشكل، وبأدوات بدائية كـ”المقلاع”، يمثل إهانة مباشرة وتعمداً لتقزيم قوة “المقاومة”.
وسرعان ما انتقل السجال من السخرية السياسية إلى “حرب إهانات” طائفية؛ إذ ردت الحسابات الموالية للحزب بنشر صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تستهدف رموزاً مسيحية، وعلى رأسها البطريرك الماروني بشارة الراعي، مما أثار موجة تنديد واسعة وهدد بانفراط عقد السلم الأهلي الهش.
وتؤكد التقارير أن هذه المواجهات الرقمية ليست عفوية بالكامل، بل تقودها جيوش إلكترونية منظمة تتبع أطراف النزاع.
المبادرة تتضمن إطلاق منصة رصد وطنية تعمل على تتبع المصطلحات التحريضية وتحليل تدفق "الأخبار الزائفة" التي تُستخدم كوقود لخطاب الكراهية