قرية الحُمَيْمَة سجل حضاري مفتوح في صحراء الأردن

أعمال التنقيب كشفت عن كنوز تاريخية، شملت قصورًا وكنائس ومنشآت ومساكن، أسهمت في إعادة رسم صورة أكثر شمولًا لدور الموقع الحضاري.
الثلاثاء 2026/05/12
تحتوي على كنوز تاريخية

عمّان – تقع قرية الحميمة في الجنوب الأردني، على مقربة من الطريق التاريخي الذي ربط بلاد الشام بالحجاز ومصر، المعروف بطريق تراجان الروماني، بين مدينتَي معان والعقبة، وعلى بعد نحو 300 كيلومتر من العاصمة عمّان. وقد شكّل موقعها الإستراتيجي محطةً تجارية وعسكرية ودينية مهمة منذ العصر النبطي حتى بدايات العصر الإسلامي، غير أن شهرتها الكبرى ارتبطت بكونها القاعدة التي انطلقت منها الدعوة العباسية، التي غيّرت وجه العالم الإسلامي وأسقطت الدولة الأموية لتؤسس واحدة من أعظم الخلافات في التاريخ.

والحُمَيْمَة عُرفت قديمًا باسم “حوارة”، وأسسها الأنباط في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، مستفيدين من موقعها القريب من البترا عاصمة دولتهم. وقد شهدت في تلك الحقبة ازدهارًا كبيرًا، إذ عمل الأنباط على تطوير أنظمة مائية متقدمة مكّنت السكان من العيش في بيئة صحراوية قاسية، فأنشأوا خزانات وصهاريج وسدودًا لتجميع مياه الأمطار، إضافة إلى قنوات دقيقة التصميم لتوزيع المياه. ويرى الباحثون أن هذا النظام المائي يُعدّ من أبرز الشواهد على براعة الأنباط الهندسية، إذ مكّن المدينةَ من الاستمرار رغم محدودية مواردها الطبيعية. وحتى اليوم، تضم القرية بقايا مبانٍ سكنية وتجارية تعكس الطابع العمراني النبطي القائم على نحت المنازل في الصخر.

ومع خضوع المنطقة للحكم الروماني، تحوّلت الحُمَيْمَة إلى محطة عسكرية وتجارية بارزة، فشُيّد فيها حصن كبير لحماية الطرق التجارية وصون الأمن في الصحراء، وأُضيفت إليها حمامات عامة ومنشآت خدمية تُعبّر عن تطور الحياة الاجتماعية آنذاك. وواصلت القرية مسيرة تطورها في العصر البيزنطي، ولاسيما على الصعيد الديني، حيث شُيّدت فيها عدة كنائس.

الحُمَيْمَة تمثل اليوم وجهة واعدة للسياحة الثقافية والأثرية في الأردن، لاسيما مع قربها من مواقع عالمية كالبترا ووادي رم والعقبة

وأوضحت وكالة الأنباء العُمانية أن التحول الأهم في تاريخ الحُمَيْمَة جاء خلال العصر الأموي، حين منح الخليفة عبدالملك بن مروان المنطقةَ لعلي بن عبدالله بن عباس، حفيد عبدالله بن عباس عم النبي محمد. واختار العباسيون الحُمَيْمَة مقرًّا لهم بسبب بعدها عن مركز الحكم الأموي في دمشق، مما وفّر لهم بيئة آمنة للتخطيط السياسي. وهكذا بدأت تتشكّل في هذه القرية الصحراوية الهادئة ملامح الثورة العباسية، إذ أسس محمد بن علي بن عبدالله بن عباس شبكات دعوية وتنظيمية امتدت إلى الكوفة وخراسان، واتخذ من الحُمَيْمَة غرفةَ عمليات مركزية لإدارة دعوته، حتى انطلقت الثورة التي أسقطت الدولة الأموية عام 750م.

ويُعدّ المسجد العباسي المبكر من أبرز معالم الحُمَيْمَة الأثرية، ويعتقد الدارسون أنه من أصغر المساجد الإسلامية المكتشفة حتى اليوم. ويتميز ببساطته المعمارية التي تعكس بدايات العمارة الإسلامية في المناطق الصحراوية، وقد منح الباحثين رؤيةً ثمينة حول تطور المساجد الأولى، فضلًا عن تأكيده مكانة الحُمَيْمَة مركزًا دينيًا وسياسيًا في تلك الحقبة.

ونقلت الوكالة أن علماء الآثار اكتشفوا في الموقع أكثر من خمسين خزانًا محفورًا في الصخر، إلى جانب برك وسدود وقنوات، شكّلت معًا نظامًا مائيًا متكاملًا دعم النشاط التجاري والزراعي والسياسي في المنطقة، ويُصنَّف اليوم واحدًا من أعظم الإنجازات الهندسية في تاريخ جنوب الأردن.

وكشفت أعمال التنقيب الأثري في الحُمَيْمَة عن كنوز تاريخية متعددة، شملت قصورًا أموية وكنائس بيزنطية ومنشآت رومانية ومساكن نبطية، أسهمت في إعادة رسم صورة أكثر شمولًا لدور الموقع الحضاري. وأكدت هذه الاكتشافات أن الحُمَيْمَة لم تكن يومًا قرية بالمعنى المتعارف عليه، بل مدينة متعددة الوظائف وحاضنة للحضارات، أدّت أدوارًا محورية على الأصعدة التجارية والدينية والسياسية عبر العصور.

وخلصت وكالة الأنباء العُمانية إلى أن الحُمَيْمَة تمثل اليوم وجهة واعدة للسياحة الثقافية والأثرية في الأردن، لاسيما مع قربها من مواقع عالمية كالبترا ووادي رم والعقبة، في حين يجري العمل على تحويلها إلى مركز جذب سياحي وتاريخي عالمي، لما تختزنه من قيمة حضارية استثنائية تجمع بين حضارات متعاقبة نسجت معًا تاريخًا لا يُماثل.

12