فسيفساء معرة النعمان.. ثاني أكبر متاحف المنطقة يقاوم الدمار
إدلب (سوريا) - في قلب الشمال السوري، وحيث تلتقي عراقة التاريخ بجغرافيا الحداثة، تقف الجدران الأثرية لـ "متحف معرة النعمان" بريف إدلب شاهدة على حكاية صمود فريدة تختزل الصراع الأزلي بين معالم الحضارة الإنسانية ومعاول الخراب، إذ تشهد أروقة هذا الصرح التاريخي، المصنف كثاني أكبر متحف فسيفسائي في منطقة الشرق الأوسط، وأكبر حاضن للوحات الفسيفساء النادرة في الدولة السورية، حراكا هندسيا وأثريا مكثفا تقوده دائرة الآثار بالمدينة، بهدف إعادة تأهيل وترميم ما دمرته سنوات الثورة الطويلة جراء القصف والتخريب الممنهج، والذي أسفر عن فقدان وتدمير أجزاء بنيوية من معالمه ونهب بعض لوحاته التاريخية الفريدة، وذلك وفقا لما أوردته وكالة الأنباء السورية "سانا".
وبالرغم من قسوة المشهد الإنشائي الحالي والندوب التي تكسو ملامحه المعمارية، إلا أن قوة الرمزية الثقافية للمتحف لدى السوريين فرضت واقعا مغايرا؛ حيث أشارت الوكالة إلى أن المتحف بدأ يستقبل، وبشكل شبه يومي، وفودا رسمية وزوارا من داخل سوريا وخارجها، في خطوة استثنائية تعكس الإصرار الشعبي والمؤسساتي على استعادة الذاكرة الثقافية والهوية الحضارية السورية لـ "بلاد الشام".
وفي تفكيك دقيق للجذور التاريخية لهذا المعلم البارز، أوضح رئيس دائرة الآثار في معرة النعمان، عبدالسلام الحمو، في تصريح لـ"سانا"، قائلا "إن تاريخ المتحف يعود إلى العهد العثماني، حين أمر والي دمشق آنذاك مراد باشا ببناء الخان، الذي تميز بتصميم معماري متكامل يضم أماكن لإقامة النزلاء وحمامات وتكية واسطبلات، إضافةً إلى مساحته الواسعة التي تُقدّر بنحو سبعة دونمات، ما جعل هذا الصرح يُعرف كواحد من أبرز المعالم المعمارية في المنطقة ككل".
وأشار الحمو في سياق حديثه للوكالة، إلى المحطات التحولية التي مر بها الخان؛ حيث عملت وزارة الثقافة لاحقاً، بالتعاون والتنسيق المشترك مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، على تأهيل المبنى وترميمه بشكل كامل وتحويله رسمياً إلى متحف وطني. ولفت رئيس دائرة الآثار إلى أن المتحف اشتهر تاريخياً باحتضانه لأندر لوحات الفسيفساء المستقدمة بعناية من منطقة معرة النعمان ومختلف المدن والمواقع السورية الأخرى؛ مبيناً في الوقت ذاته أن محافظة إدلب تشكل مخزوناً أثرياً هائلاً كونها تضم نحو 750 موقعاً أثرياً، ما يضعها في صدارة أغنى المحافظات السورية بالمواقع التاريخية، ويأتي متحف معرة النعمان في مقدمة أبرز هذه المعالم قاطبة.
وعن التحديات والانتهاكات الصارخة التي هددت هذا الإرث الحضاري، بيّن الحمو أن هذه المواقع الأثرية، بما فيها المتحف، تعرضت خلال سنوات الثورة لأضرار وانتهاكات متفاوتة وضخمة، فرضت تحديات بالغة التعقيد أمام الجهات المعنية بحمايتها؛ وذلك نتيجة قصف النظام البائد العنيف، وعمليات الحفر والتنقيب العشوائي التي نفذها بعض ضعاف النفوس، إلى جانب زحف الكتل العمرانية، واضطرار الأهالي لتحويل بعض المواقع الأثرية المفتوحة إلى مخيمات مؤقتة للنازحين.
وعن الأضرار المباشرة التي لحقت بـ "خان مراد باشا"، أوضح الحمو تفاصيل المأساة قائلا "تعرض المتحف للقصف عدة مرات بالصواريخ والبراميل المتفجرة، ما تسبب بأضرار جسيمة في بنيته الإنشائية، شملت تدمير أجزاء كاملة من الأروقة، وتضرر عدد من لوحات الفسيفساء التاريخية نتيجة الشظايا المتطايرة".
ولفت الحمو إلى أن عمليات الإنقاذ الحالية تجري بجهود ذاتية وإمكانيات مادية وفنية بسيطة للغاية، للحفاظ على ما تبقى من المقتنيات الأثرية المتبقية، وإعادة تأهيل بعض الأقسام المتضررة، عبر تشكيل "فريق آثار إدلب"، الذي أُنيطت به مهمة حماية المواقع الأثرية الميدانية، وتنظيم حملات توعية دورية للأهالي وطلاب المدارس لتعريفهم بأهمية الآثار وصونها.
من جانبه، استعرض رئيس شعبة المباني الأثرية في دائرة الآثار، المهندس منصور زعتور، الإستراتيجية الفنية المتبعة في هذه المرحلة الحرجة، حيث قال في تصريح مماثل للوكالة، إن الأولوية الفنية والعملية منصبة حالياً بشكل أساسي على تثبيت الأجزاء الإنشائية المعرضة للانهيار العاجل وتوثيق الأضرار الهيكلية رقمياً وفوتوغرافياً، تمهيداً لإطلاق أي عملية ترميم شاملة وموسعة مستقبلاً؛ مؤكداً في الوقت ذاته أن الفسيفساء الموجودة في المتحف تعكس مستوى فنياً رفيعاً واستثنائياً من الفن السوري القديم.
وأضاف زعتور في شرحه التخصصي لمكانة المتحف الإقليمية "يعتبر المتحف الأول في منطقة بلاد الشام، والثاني في الشرق الأوسط بعد متحف 'زوغما' الشهير بتركيا باحتضان لوحات الفسيفساء، فهو يضم نحو 1300 متر مربع من لوحات الفسيفساء، أشهرها في الشرق الأوسط لوحة 'ولادة هرقل'، التي تم اكتشافها في تسعينيات القرن الماضي بحي الأربعين في مدينة حمص، وتم نقلها إلى المتحف، وهي لوحة جميلة وفريدة يعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني الميلادي".
وأشار زعتور إلى المؤشرات الإيجابية لعودة الروح إلى المعلم الأثري؛ مفيدا أنه منذ تحرير سوريا وإعادة تفعيل دائرة آثار معرة النعمان بكوادرها الوطنية، نجح المتحف في استقبال أكثر من مئة وفد سياحي محلي وأجنبي، ضمت ممثلين بارزين عن فعاليات المجتمع المحلي وزواراً من مختلف المحافظات السورية، بالإضافة إلى وفود تخصصية ورسمية من دول أجنبية متعددة.
وأوضح رئيس شعبة المباني أن زوار المتحف ينقسمون إجمالا إلى فئتين رئيسيتين: الأولى تضم أشخاصا عاديين يزورون المتحف للمرة الأولى في حياتهم، حيث يبدون دهشتهم العميقة وإعجابهم المطلق بالمعروضات، ولا سيما بلوحات الفسيفساء الشاخصة، مع إبداء رغبة كبيرة وشغف في التعرف إلى تاريخها وحكايتها، فيما تضم الفئة الثانية باحثين ومهتمين بالآثار يمتلكون خلفية معرفية وثقافية صلبة، قدموا خصيصاً للاستمتاع بالقيمة التاريخية والفنية التراكمية للمتحف.
ووجه زعتور دعوة مفتوحة ونداءً عاجلاً إلى كافة الجهات المعنية والمؤسسات الدولية؛ للمساهمة الجادة في ترميم وتدعيم المواقع والمتاحف الأثرية المتضررة، والعمل المشترك على تنشيط الحركة السياحية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المتاحف والمواقع الأثرية تمثل الواجهة الثقافية والحضارية الحقيقية لسوريا، وأن التاريخ يشكل المرآة التي تعكس هوية الشعوب وحضارتها؛ مشدداً على أن حماية الآثار هي مسؤولية جماعية تتطلب تعاون المواطنين جنباً إلى جنب مع مختلف الجهات المعنية للحفاظ على هذا الإرث التاريخي العالمي.
ولم تغب الأصوات الشعبية والانطباعات الإنسانية، حيث صرحت المواطنة ياسمين شحادة، وهي زائرة قدمت من مدينة حلب العريقة، متحدثة عن تجربتها قائلة إنها زارت المتحف لأول مرة وتفاجأت بحجم الدمار الذي لحق به جراء العمليات العسكرية، لكنها شعرت بالفخر الشديد لرؤية هذه اللوحات البديعة التي تعود لآلاف السنين صامدة رغم كل ما جرى، مشيرة إلى أنها انبهرت بجمال التكوين المعماري للمتحف وخاصة اللوحات الفسيفسائية الموجودة فيه، متمنية لكل السوريين زيارة المتحف للتعرف عن قرب على هويته وتاريخه العريق الذي يمثل مدعاة حقيقية للفخر والاعتزاز.
ومن مغتربات الغرب إلى طين الوطن، شارك المواطن غزوان عساف، المقيم في ألمانيا والذي يزور المتحف للمرة الأولى، رؤيته الفلسفية للمكان؛ حيث رأى أن ما شاهده داخل المتحف يختصر ببساطة قصة سوريا التاريخية المتأرجحة بين صناعة الحضارة ومآسي الخراب، معتبرا أن زيارة المكان ودعمه -ولو بمجرد الوجود الفيزيائي فيه- يمثل رسالة قوية للعالم بأن السوريين لم ولن ينسوا تاريخهم، ولن يتركوا هذا الإرث العظيم للاندثار.
وأبدى عساف دهشته البالغة باللوحات التي تحمل معاني ودلالات فكرية كثيرة، وخاصة "لوحة الطاووس" التي تجسد بصمة الحياة وتجددها؛ لافتاً في الوقت ذاته إلى ضرورة اهتمام المعنيين بإعادة صيانة وترميم المتحف بالشكل اللائق الذي يستحقه تاريخياً، مع التركيز على تحسين شبكات الإنارة والأرضيات لإبراز جماليات القطع المتبقية.
يذكر في هذا السياق، أن بناء خان مراد باشا يعود تاريخياً إلى القرن السادس عشر الميلادي، وتمت هيكلته وتحويله لاحقا إلى متحف وطني يضم أثمن المجموعات الفسيفسائية التي تؤرخ للعصرين الروماني والبيزنطي، وصنّف رسميا قبل اندلاع الحرب الكارثية كواحد من أبرز وأهم المعالم الأثرية الإستراتيجية في شمال سوريا، قبل أن يقع ضحية للأضرار الجسيمة بفعل قصف النظام البائد خلال سنوات الثورة، ليبقى اليوم ساحة مفتوحة لمعركة الهوية والصمود الأثري.





