فرنسا تفتح تحقيقا في إساءة استخدام النظارات الذكية

النظارات الذكية تحولت من ابتكار تقني إلى قضية قانونية ومجتمعية في فرنسا، مع تصاعد المخاوف من استخدامها في التصوير السري والتحرش وانتهاك الخصوصية.
السبت 2026/09/19
الخصوصية الرقمية تحت الاختبار

باريس- تدخل النظارات الذكية مرحلة جديدة من الجدل في فرنسا، بعدما فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقًا جنائيًا على خلفية شكاوى تتعلق بتحرش جنسي ارتبط باستخدام هذه الأجهزة لتصوير نساء في الشوارع من دون موافقتهن، في تطور يضيف ضغوطًا قانونية وأخلاقية إلى سوق يشهد توسعًا سريعًا.

وتتركز القضية على استخدام النظارات المزودة بكاميرات صغيرة لتسجيل مقاطع لنساء في الأماكن العامة، ثم نشر بعضها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وتقول السلطات الفرنسية إن التحقيق جاء بعد شكاوى مرتبطة بهذا النوع من الاستخدام، من دون تحديد العلامة التجارية للنظارات محل التحقيق.

وتأتي الخطوة القضائية في وقت يتزايد فيه الجدل حول نظارات “ميتا” المصممة بالتعاون مع شركة “إسيلور لوكسوتيكا”، المالكة لعلامتي “راي بان” و”أوكلي”.

وتشير بيانات السوق إلى أن هذه النظارات تستحوذ على الحصة الأكبر من سوق النظارات الذكية عالميًا، ما يجعلها في قلب النقاش المتعلق بالخصوصية والاستخدامات المسيئة.

◄ ألمانيا شهدت تحركًا قانونيًا ضد بعض الشركات المرتبطة بهذه الأجهزة، بينما فرضت بعض دور السينما في بريطانيا قيودًا على استخدامها

وفي فرنسا، تلقت جمعية “إي-إنفانس” وخدمة “3018” نحو 20 بلاغًا منذ بداية عام 2026 عن نساء قيل إنهن صُوّرن من دون علمهن باستخدام نظارات مزودة بكاميرات، وكانت غالبية البلاغات مرتبطة بنظارات “ميتا”.

وتضمنت إحدى الحالات فتاة صُورت خلال احتفالات عيد الموسيقى في باريس، قبل أن ينتشر المقطع وتتعرض لتعليقات مسيئة وتهديدات بالقتل.

وتكشف هذه الوقائع عن مشكلة تتجاوز عملية التصوير نفسها، إذ يمكن أن تتحول المقاطع المنشورة إلى وسيلة للتشهير أو التنمر الإلكتروني، خصوصًا عندما تقدم في شكل مقاطع ساخرة أو محتوى مصمم لجذب المشاهدات والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي.

وتواجه الشركات المصنعة تحديًا تقنيًا يتمثل في صعوبة جعل الآخرين يدركون بوضوح أن عملية تصوير تجري أمامهم. وتحتوي نظارات “ميتا” على ضوء صغير يفترض أن ينبه المحيطين إلى تشغيل الكاميرا، إلا أن جهات معنية بالخصوصية ترى أن هذا المؤشر قد لا يكون واضحًا بما يكفي في الأماكن العامة.

وتقول “ميتا” إن النظارات مصممة مع مراعاة حماية الخصوصية، وإن مؤشر الإضاءة يعمل أثناء التقاط الصور أو تسجيل الفيديو ولا يمكن إيقافه بالطريقة العادية. كما تؤكد الشركة أن محاولة تعطيل المؤشر أو العبث به تؤدي إلى تعطيل الكاميرا.

لكن الانتقادات لا تقتصر على تصميم الأجهزة، إذ تثير القضية سؤالًا أوسع حول مسؤولية الشركات عن الاستخدامات المسيئة للتكنولوجيا، وحدود ما يمكن أن تفعله الشركات لمنع تسجيل أشخاص ونشر صورهم من دون موافقة، خصوصًا عندما تصبح الأجهزة أصغر وأكثر اندماجًا في الحياة اليومية.

وتتابع الهيئة الفرنسية لحماية البيانات “سي إن آي إل” الملف باهتمام متزايد، بعدما جعلت النظارات المتصلة إحدى أولوياتها.

وكانت الهيئة قد حذرت في مايو الماضي من المخاطر المرتبطة بالخصوصية، مشيرة إلى أن هذه الأجهزة تجمع بين الكاميرات والميكروفونات والاتصال بالهاتف، ويمكن أن تتكامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وأظهر استطلاع أجرته الهيئة في يناير 2026، وشمل 2128 شخصًا بالغًا يمثلون السكان الفرنسيين، أن 67% من المشاركين يرون أن النظارات الذكية تشكل خطرًا على الخصوصية.

◄ السلطات الفرنسية تقول إن التحقيق جاء بعد شكاوى مرتبطة بهذا النوع من الاستخدام، من دون تحديد العلامة التجارية للنظارات محل التحقيق

وتركزت المخاوف بصورة خاصة على الحق في الصورة، والموافقة على التصوير، وإمكانية إساءة استخدام البيانات والمحتوى المسجل.

ولا تبدو القضية فرنسية فقط، إذ تواجه النظارات الذكية تدقيقًا متزايدًا في دول أوروبية أخرى بسبب مخاطر التصوير السري والمراقبة.

كما شهدت ألمانيا تحركًا قانونيًا ضد بعض الشركات المرتبطة بهذه الأجهزة، بينما فرضت بعض دور السينما في بريطانيا قيودًا على استخدامها.

وتأتي هذه الضغوط في وقت تتوسع فيه مبيعات النظارات الذكية عالميًا. فقد أعلنت “إسيلور لوكسوتيكا” أن مبيعات النظارات المزودة بالذكاء الاصطناعي تجاوزت 7 ملايين وحدة خلال عام 2025، فيما أشارت الشركة إلى نمو قوي في 2026.

ويضع هذا الانتشار المصنعين أمام معادلة أكثر تعقيدًا: تطوير أجهزة قادرة على التصوير والتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، مع ضمان ألا تتحول هذه القدرات إلى أدوات لانتهاك خصوصية الآخرين.

ومع انتقال الجدل في فرنسا من التحذيرات التنظيمية إلى التحقيقات الجنائية، تتجه الأنظار إلى كيفية تعامل السلطات مع الاستخدام المسيء لهذه التكنولوجيا، وما إذا كانت القواعد الحالية كافية للتعامل مع أجهزة يمكنها التصوير والتسجيل بصورة أكثر خفاءً من الهواتف التقليدية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن مستقبل النظارات الذكية لن يتحدد بالقدرات التقنية والمبيعات وحدها، بل أيضًا بقدرة المصنعين والمنصات والجهات التنظيمية على وضع ضمانات واضحة تحمي الخصوصية والموافقة وتحد من استخدام الأجهزة في التحرش أو التصوير غير المصرح به.