عازف عود سوري يجعل العالم يستمع لدمشق

على خشبة مسرح الدراما في دار الأوبرا بدمشق كنان أدناوي يروي قصة موسيقي سوري حمل آلته من شوارع دمشق إلى قاعات بوسطن.
الأربعاء 2026/06/24
العود لا ينسى جذوره

من دمشق إلى بوسطن وعودةً إلى دمشق، حمل كنان أدناوي عوده عبر قارتين وثقافتين، ليقف على مسرح دار الأوبرا بسؤال واحد: هل يستطيع العود أن يتكلم لغة العالم دون أن يفقد لهجته الدمشقية؟ الإجابة كانت في كل نغمة.

دمشق - على خشبة مسرح الدراما في دار الأوبرا بدمشق، لم يكن كنان أدناوي يعزف على العود وحسب، بل كان يروي قصة حياة كاملة؛ قصة موسيقي سوري حمل آلته من شوارع دمشق إلى قاعات بوسطن، ثم عاد بها محمّلا بلغة جديدة لم تفقد شيئا من أصالتها.

وفي أمسية يوم الاثنين التي جمعت بين العود والناي والبيانو والكمان والكونترباص والإيقاع، أثبت أدناوي أن الجذور والانفتاح ليسا نقيضين، بل شرطان متلازمان لأي مشروع فني حقيقي.

اختار أدناوي أن يبدأ منفردا، بمقطوعة “افتتاحية أوغاريت” التي عزفها وحده قبل أن تنضم إليه الفرقة الموسيقية، وكانت في ذلك الاختيار دلالة عميقة؛ فأوغاريت المدينة الفينيقية العريقة هي من أقدم الحضارات التي عرفت الموسيقى وأبدعت فيها، وكأن أدناوي أراد أن يقول إن كل ما سيأتي بعد ذلك ليس سوى امتداد لذاكرة لا تنضب. وحملت الافتتاحية أجواء البحر المتوسط إلى قلب دمشق، عبر ألحان جمعت الهدوء والقوة في آنٍ واحد، قبل أن تنسجم الآلات تدريجيا في حوار أضاف إلى المشهد أبعادا أكثر ثراء وعمقا.

وما يميز مشروع أدناوي الموسيقي أنه لا يقوم على الإثارة التقنية وحدها، بل على رؤية فكرية واضحة تجعل من العود جسرا لا حاجزا. فتفاعل الآلات الشرقية، وخاصة العود والناي، مع نظيراتها الغربية كالبيانو والكمان والكونترباص، لم يبدُ في الأمسية تجاورا مصطنعا، بل امتزاجا طبيعيا نابعا من فهم عميق لطبيعة كل آلة وإمكاناتها التعبيرية.

كنان أدناوي يرى أن ثمة حاجة ماسة إلى قطاع إنتاجي داعم في سوريا، وأن وجود منتجين يؤمنون بالموسيقيين شرط أساسي لاستمرار أي مشروع فني حقيقي

وتجلّى هذا بوضوح في مقطوعة “رقصة أندلسية” التي استحضرت حضارة بأكملها بألحانها، وفي مقطوعات تنقّلت بين الأجواء الشرقية وتراث ساحل البحر المتوسط في رحلة ثقافية وفنية متكاملة.

هذا الحوار بين الشرق والغرب ليس وليد الصدفة، بل هو حصيلة مسيرة طويلة بدأت في دمشق وتعمّقت في أميركا. فبعد تخرجه من المعهد العالي للموسيقى بدمشق عام 2008، حمل أدناوي عوده إلى “نيو إنغلاند كونسرفاتوري” في بوسطن، حيث نال درجة الماجستير في الموسيقى، ليعود بفهم مختلف لما يمكن أن تقدمه الموسيقى الشرقية حين تمتلك أدوات التعبير الغربية ومناهج الغرب الأكاديمية.

وكانت مقطوعة “بحر” من أبرز محطات الأمسية وأكثرها تأثيراً في الجمهور. فهي ليست مجرد لحن بل رحلة وجدانية كاملة تنتقل بين الحب والحزن والقوة والحنان، فيما تعكس الألحان السريعة اندفاع الأمواج وحركتها المتجددة، قبل أن تهدأ الإيقاعات ويُؤخذ العود والناي معا في رسم لحظات السكينة والتأمل.

ولاقت هذه المقطوعة تفاعلا لافتا من الحضور، ربما لأنها لمست شيئا إنسانيا مشتركا يتجاوز الانتماءات الثقافية والجغرافية.

وهذه القدرة على مخاطبة الجمهور هي ما يسعى إليه أدناوي بوعي تام، إذ يرى أن العود يمتلك من الإمكانات ما يجعله قادرا على الدخول في حوار موسيقي بلغة عالمية، خاصة حين يكون العازف متمكناً من ناصية أدواته. ويؤكد أن “قدرة الموسيقي هي التي تجعله يعزف على العود ما يشاء من ألحان سواء شرقية أو غربية”.

لا يرى أدناوي في العود مجرد آلة موسيقية، بل يعدّه موروثا حضاريا يحمل ذاكرة الإنسانية. وهو يتحدث بشغف عن تاريخ هذه الآلة التي تعود إلى ما قبل 2500 عام قبل الميلاد، والتي رافقت الفنانين والحكماء والفلاسفة، وحضرت في الطقوس الدينية القديمة، قبل أن ترتبط في عصور لاحقة بالغناء العربي وتغدو آلته الأساسية. ويستحضر أدناوي بفخر ما أضافه الموسيقي الأندلسي زرياب إلى العود حين زاده وترا خامسا، مؤكدا أن هذه الآلة لم تتوقف يوما عن التطور.

وفي العصر الحديث يرى أدناوي أن العود استطاع تجاوز دوره التقليدي بوصفه مرافقا للمغني، ليصبح قائدا في الموسيقى الآلية المستقلة. وقد ساهم هو شخصيا في توسيع هذا الدور من خلال أكثر من خمسة وعشرين قطعة موسيقية ألّفها، وجولات فنية في عدة مدن سورية، وتسجيلات تُسمع في مناطق مختلفة من العالم.

لا تقتصر سيرة أدناوي الفنية على الساحة المحلية؛ فهو الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة العود الدولية ببيروت عام 2009، والحاصل على المركز الثاني في “أيام قرطاج” بتونس عام 2010. وقد شارك على أهم المسارح العالمية مع فرق وأوركسترات مرموقة، وأصدر ألبومه الأول “جو” عام 2014 متضمنا عشرة أعمال موسيقية. كما تعاون مع موسيقيين من البرازيل والهند، وأصدر ألبوما بعنوان “من دلهي إلى دمشق”، فضلا عن مشاركته مع الموسيقي العالمي برايان آدامز.

بيد أن كل هذا الانتشار لم يُبعده عن همومه المحلية، إذ يرى أن ثمة حاجة ماسة إلى قطاع إنتاجي داعم في سوريا، وأن وجود منتجين يؤمنون بالموسيقيين شرط أساسي لاستمرار أي مشروع فني حقيقي.

12