دراجات الموت تجوب حمص وحماة برصاص مكتوم وتثير الذعر والغضب
أثارت سلسلة حوادث القتل المتكررة في محافظتي حمص وحماة موجةً واسعةً من الغضب والاستياء، ولاسيما في الأوساط العلوية والساحلية، وسط تصاعد المخاوف من تداعياتها الأمنية والاجتماعية. وبينما يرى البعض أنها جرائم جنائية عشوائية، يعتقد آخرون أنها تحمل أبعادا سياسية/طائفية متعمدة تهدف إلى زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى. وقد أسهم غياب توضيحات رسمية كافية في زيادة الشكوك ورفع منسوب التوتر.
حمص/ حماة- تتصاعد حالة من الغضب الشعبي الممزوج بالقلق الأمني الجارف في محافظتي حمص وحماة، إثر تسجيل ثلاث جرائم اغتيال غامضة نُفذت بأسلوب متطابق خلال أقل من عشرة أيام. وأعادت الجريمة الأحدث التي استهدفت السيدة يمنى الحلاق في قلب مدينة حمص تسليط الضوء على المعضلة المزمنة المتمثلة في انتشار “السلاح المنفلت” وعجز الأجهزة الأمنية عن ضبطه، وسط صمت رسمي مطبق يثير الكثير من التساؤلات والشكوك.
وخلال فترة زمنية لم تتجاوز الأسبوع ونصف، ضرب الإرهاب المتنقل عدة نقاط مستهدفاً مدنيين عزلا بنفس الطريقة الإجرامية.
وفي أحدث فصول هذه السلسلة يوم 26 يوليو 2026، أقدم مسلحون ملثمون يستقلون دراجة نارية على إطلاق النار في شارع “بيت الطويل” بحي وادي الذهب في حمص. استهدف الهجوم السيدة يمنى الحلاق (41 عاماً) مما أدى إلى مقتلها فوراً، فيما أُصيب طفلها زين إبراهيم (13 عاماً) برصاصة في الحنجرة نقل على إثرها إلى العناية المشددة في حالة حرجة. وما ميز هذه الجريمة هو الأنباء المؤكدة عن استخدام أسلحة مزودة بـ”كاتم صوت”.
سبقت الجريمة الأخيرة بأيام قليلة مجزرة حي السبيل في حمص، حيث قام ملثمان على دراجة نارية بإطلاق النار مباشرة على عائلة كانت تجلس على شرفة منزلها. وأسفر الاعتداء عن مقتل الأم آمنة محمد قعير (39 عاماً) وطفليها لجين خنسة (16 عاماً) وعيسى خنسة (9 أعوام).
وبالتوازي مع أحداث حمص، شهد ريف حماة جريمة مماثلة تماماً في قرية حورات عمورين، حيث استهدف مسلحان على دراجة نارية الشاب عمار رفعت أسعد أثناء رعيه للأغنام، وأردياه قتيلاً بالرصاص قبل أن يلوذا بالفرار.
ويشير التحليل الجنائي الميداني لطبيعة الحوادث الأخيرة إلى تحول خطير في سلوك الجماعات أو الأفراد المنفلتين. ووفقاً لتقارير محلية، فإن الاعتماد على الدراجات النارية واللثام يمنح القتلة مرونة عالية في التحرك عبر الشوارع الضيقة والانسحاب السريع قبل وصول أي مؤازرة أمنية. إلا أن الانتقال لاستخدام المسدسات المزودة بكاتم الصوت في جريمة وادي الذهب الأخيرة يُعد مؤشراً على تطور أدوات الجريمة.
ويهدف هذا الأسلوب إلى خفض صوت الطلقات لتأخير اكتشاف الجريمة، مما يدل على أن الضحايا كانوا محددي الأهداف مسبقا وليس مجرد إطلاق نار عشوائي بدافع السرقة.
وتأتي هذه الجرائم لتفتح جرحاً غائراً في البنية المجتمعية لوسط سوريا. وتعاني مدن وسط وساحل سوريا من انتشار هائل للأسلحة غير المنضبطة نتيجة مخلفات الحرب الطويلة، وتعدد المجموعات الرديفة والمحلية التي تتحرك خارج الإطار القانوني الصارم.
وقالت معلقة:
كما يتخوف سكان الأحياء المستهدفة في حمص مثل وادي الذهب والسبيل والزهراء من وجود دوافع طائفية انتقامية وراء هذه العمليات.
ويغذي تكرار استهداف نساء وأطفال من مكونات اجتماعية معينة، بالتزامن مع تصاعد خطاب التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، المخاوف من مساعٍ خبيثة لإشعال فتنة مجتمعية جديدة.
ويسيطر على معظم التعليقات والتفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي اتهامات حادة بأن هذه الجرائم تستهدف أبناء الطائفة العلوية بشكل ممنهج ومتعمد. ويربط العديد من المعلقين بين هذه العمليات وبين خطاب التحريض الطائفي الذي تصاعد بشكل ملحوظ على منصات التواصل خلال الفترة الماضية، معتبرين أن تكرار استهداف النساء والأطفال في أحياء معروفة بتركيبتها السكانية ليس صدفة، بل جزء من نمط تصفيات منظم.
ووصف كثير من المستخدمين هذه الحوادث بـ”الإبادة” أو “التصفيات الطائفية”، مطالبين بتدخل دولي أو أمني عاجل لوقف ما يرونه حملة تستهدف مكوناً بعينه. وتزايدت في التعليقات عبارات الغضب الشديد والاستياء من غياب أي رد فعل رسمي واضح، مما عزز الشعور بالتهميش والخطر الوجودي لدى شريحة واسعة من أبناء المحافظتين.
وتعكس هذه الأجواء المتوترة حالة انعدام ثقة عميقة بالمنظومة الأمنية، وتغذي مخاوف حقيقية من انزلاق المنطقة نحو فتنة طائفية جديدة، خاصة مع تكرار الأسلوب الإجرامي وغياب أي معلومات رسمية حول التحقيقات أو الجناة.
وكتب معلق:
وقالت ناشطة:
ويُعد العامل الأبرز الذي يثير غضب الشارع السوري هو “التعتيم الإعلامي والأمني” من جانب السلطات. فرغم وقوع هذه الجرائم المتتالية في مناطق تعج بالحواجز والنقاط الأمنية، لم يصدر عن وزارة الداخلية أو الأجهزة الأمنية أي بيان يوضح ملابسات التحقيق أو يعلن القبض على الجناة، مما يكرس شعوراً عاماً بعدم الأمان ويفقد المواطن ثقته بالمنظومة الحمائية.
ويقول معلقون إن جريمة اغتيال يمنى الحلاق وما سبقها ليست مجرد حوادث جنائية عابرة، بل هي إنذار مباشر بانفراط عقد الأمن الجنائي في مناطق يفترض أنها استقرت منذ سنوات. فاستمرار غياب الشفافية الرسمية والعجز عن سحب السلاح غير الشرعي وملاحقة مستقلي “دراجات الموت” لن يؤدي فقط إلى زيادة معدلات الجريمة، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام الأمن الذاتي أو عمليات الانتقام العشوائي، وهو السيناريو الأخطر الذي يهدد السلم الأهلي الهش أصلا.