خطوط حمراء ترسم الملامح الجديدة للإعلام السوري

التعميم يعكس تحديا كلاسيكيا لدول ما بعد التغيير: كيف تجمع بين حرية التعبير التي كانت مفقودة تماما سابقا والحاجة إلى الاستقرار والوحدة الوطنية؟
السبت 2026/06/27
ضوابط صارمة

دمشق- أصدرت وزارة الإعلام السورية تعميما رسميا حازما حددت بموجبه حزمة من المحظورات الرئيسية لتنظيم النشر والعمل الإعلامي الرقمي والتقليدي، حيث تعكس هذه الخطوة مساعي السلطات لفرض انضباط قانوني وأخلاقي صارم في المشهد الإعلامي المتنامي وتجنب الفوضى الرقمية.

وجاء هذا التعميم ليلزم كافة وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بضوابط صارمة متوعدا المخالفين بالمساءلة القانونية والملاحقة القضائية، حيث ركزت البنود بشكل أساسي على حظر نشر الأسرار والوثائق السيادية التي تخص الجيش أو الأجهزة الأمنية والمحتوى الذي يحرض على الشغب والعنف، بالإضافة إلى منع امتهان الأديان والرموز السماوية والعقائد الدينية بكافة أشكال السخرية.

كما شملت الضوابط تجريم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي أو العرقي الذي يمس اللحمة المجتمعية، وحظر انتهاك الخصوصية والتشهير بنشر صور الأفراد أو تفاصيل حياتهم الخاصة دون إذن مسبق، إلى جانب منع نشر الأخبار الكاذبة والشائعات المضللة التي تلحق الضرر بالاقتصاد الوطني، والابتعاد التام عن المواد التي تخدش الحياء العام وتخالف النظام الأخلاقي للمجتمع.

وتعكس هذه القرارات رغبة واضحة من الدولة في ضبط التدفق المعلوماتي الحساس وسد الثغرات الإلكترونية التي قد تُستغل في إثارة القلاقل، مع السعي لتحصين الجبهة الداخلية ومنع الاستقطاب الطائفي، فضلاً عن حماية السوق المحلية من الذعر الاستهلاكي المرتبط بالشائعات الاقتصادية والتقلبات المالية وتضليل الرأي العام.

خبراء:

القانون إذا أُحسن تطبيقه، قد يساهم في بناء إعلام مهني مسؤول، وإلا قد يُنظر إليه كعودة جزئية لأساليب السيطرة القديمة

ويأتي هذا التعميم ضمن سلسلة إجراءات تنظيمية بدأت بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، خلال المرحلة الانتقالية التي تشهدها سوريا. وبعد عقود من السيطرة المطلقة على الإعلام تحت النظام السابق، شهد الفضاء الرقمي والإعلامي انفجارا غير مسبوق في الحريات، مصحوبا بفوضى معلوماتية، وانتشار الشائعات، والاستقطاب الطائفي/العرقي.

وتسعى الحكومة الانتقالية إلى بناء “دولة مؤسسات”، حيث يُعتبر تنظيم الإعلام إحدى أدوات تحقيق الاستقرار. وسبق هذا التعميم إجراءات مثل إلزام المنصات بالترخيص، ومنع مقابلات مع رموز النظام السابق، وإيقاف بعض المنصات غير المرخصة مثل “جسور نيوز” و”هاشتاغ” في مارس 2026.

وفي الوقت الذي ترى فيه الجهات الرسمية أن هذه القيود تمثل خطوة مهنية وأخلاقية لتطهير الفضاء الرقمي من الابتزاز والتشويه، تثير هذه المحظورات مخاوف لدى بعض الأوساط الحقوقية والإعلامية من مرونة المصطلحات الفضفاضة، مما قد يحول الضوابط إلى أداة لتقييد الصحافة الاستقصائية ودفع المنصات المحلية نحو رقابة ذاتية مفرطة وخفض سقف النقد الموجه للمؤسسات العامة.

ويخشى النقاد أن تكون المصطلحات الفضفاضة (“خطاب الكراهية”، “خدش الحياء”، “تضليل الرأي العام”) أداة للرقابة الذاتية أو لتقييد الصحافة الاستقصائية ونقد المؤسسات الحكومية. كما يخشى المتشككون من أن تتحول مكاتب المتحدثين الرسميين وهيكلة البيانات إلى “مصفاة مركزية” موحدة، يتم من خلالها حجب المعلومات الحقيقية وتقديم رواية وحيدة وموجهة تحت غطاء تنظيمي رسمي.

ويقول خبراء إن القانون إذا أُحسن تطبيقه، قد يساهم في بناء إعلام مهني مسؤول، وإلا قد يُنظر إليه كعودة جزئية لأساليب السيطرة القديمة.

ويرى المؤيدون أن التطبيق النزيه للقانون سيقضي على ظاهرة “التجهيل الصحفي” والاعتماد على المصادر المجهولة، حيث سيصبح الصحفي قادرا على الوصول إلى الأرقام والوثائق الرسمية بآليات قانونية ملزمة ومستقرة.

5