"جمعة إكس".. لماذا تتحول المنصة إلى مساحة يومية للبوح والذكريات؟

جاذبية هذا النوع من المحتوى تكمن في اختلافه عن طبيعة «إكس» المعتادة طوال أيام الأسبوع حيث تشهد المنصة سجالات سياسية ورياضية وإعلامية حادة.
الجمعة 2026/08/21
نافذة جماعية للبوح

القاهرة- لم تعد منصة «إكس» مساحة للنقاشات السياسية والأخبار العاجلة والجدالات اليومية فقط، بل تحولت، خصوصاً يوم الجمعة، إلى فضاء اجتماعي مختلف تتراجع فيه حدة الأخبار لصالح الدعاء والذكريات والرسائل الإنسانية. وفي كل أسبوع، تبدو المنصة وكأنها تفتح نافذة جماعية للبوح، حيث يتبادل المستخدمون الأمنيات ويستحضرون الغائبين ويشاركون لحظات شخصية صغيرة تجد طريقها سريعاً إلى التفاعل.

وتبرز «جمعة إكس» بوصفها واحدة من الظواهر الخفيفة التي تكشف جانباً آخر من علاقة المستخدم العربي بالمنصات الاجتماعية. فمع بداية يوم الجمعة، تتكرر عبارات الدعاء للأهل والأصدقاء، والترحم على من رحلوا، وتبادل الآيات والأحاديث والرسائل التي تحمل تمنيات بالراحة والرزق والفرج. ومع تكرار هذه المنشورات أسبوعياً، تحولت إلى طقس رقمي له جمهوره وتوقيته ولغته الخاصة.

ربما تكمن جاذبية هذا النوع من المحتوى في أنه يختلف عن طبيعة «إكس» المعتادة. فالمنصة التي تشهد طوال أيام الأسبوع سجالات سياسية ورياضية وإعلامية حادة، تتحول في بعض ساعات الجمعة إلى مساحة أكثر هدوءاً، تسمح للمستخدم بأن يظهر بعيداً عن آرائه ومواقفه العامة.

وتبدو المنشورات الأكثر انتشاراً في هذا السياق تلك التي تحمل طابعاً شخصياً. شخص يتذكر والده أو والدته الراحلين، وآخر يكتب عن صديق غاب عنه، وثالث يستعيد ذكرى مرتبطة بجمعة قديمة. وفي حالات كثيرة، لا يكون الهدف من المنشور تقديم معلومة أو إثارة نقاش، وإنما مجرد مشاركة شعور مع الآخرين.

هنا تتحول المنصة من وسيلة للتعبير عن الرأي إلى مساحة للتعبير عن الذات.

لماذا الجمعة تحديداً؟

◄ "جمعة إكس" لا تبدو مجرد ترند أسبوعي عابر، بل طقساً رقمياً يعيد إنتاج بعض أكثر العادات الاجتماعية دفئاً، ولكن هذه المرة على شاشة تجمع غرباء يتقاسمون الدعاء والحنين والذكريات

يحمل يوم الجمعة مكانة خاصة في المجتمعات العربية والإسلامية، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على الفضاء الرقمي. فاليوم يرتبط لدى كثيرين بالأسرة والراحة والزيارات والعبادات، كما يمنح المستخدم وقتاً أطول للتواصل بعيداً عن ضغط أيام العمل.

ولهذا تبدو «جمعة إكس» امتداداً رقمياً لعادات اجتماعية قديمة؛ فكما كان الناس يتبادلون التهاني والدعاء هاتفياً أو في الزيارات، أصبحت المنصة توفر مكاناً عاماً يستطيع فيه الشخص أن يرسل رسالته إلى مئات أو آلاف المتابعين في لحظة واحدة.

كما أن تكرار هذه العادة يمنحها طابعاً جماعياً. فالمستخدم لا يدخل المنصة يوم الجمعة بحثاً عن خبر فقط، بل يعرف مسبقاً أنه سيجد عشرات المنشورات التي تتشارك اللغة نفسها تقريباً: «جمعة مباركة»، «اللهم ارحم من اشتقنا إليهم»، «اللهم اجبر الخاطر»، وعبارات أخرى تتغير صياغتها بينما تبقى فكرتها ثابتة.

اللافت أن الذكريات تحتل مساحة مهمة في هذا المشهد. فالمنصات الرقمية، رغم سرعتها، أصبحت أيضاً أرشيفاً للمشاعر. صورة قديمة، ذكرى شخص رحل، موقف عائلي أو حتى أغنية مرتبطة بمرحلة معينة، يمكن أن تعيد المستخدم إلى زمن سابق وتدفعه إلى مشاركة تلك اللحظة مع الآخرين.

وهذا النوع من المنشورات يجد تفاعلاً مختلفاً؛ إذ لا يحتاج المتابع إلى معرفة صاحب القصة كي يتعاطف معها. كلمة قصيرة عن الأب أو الأم أو صديق غائب قد تستدعي عشرات التعليقات التي تبدأ غالباً بعبارات المواساة أو الدعاء، وكأن الفضاء الافتراضي يتحول للحظات إلى مجلس اجتماعي حقيقي.

وتكشف «جمعة إكس» في النهاية عن حاجة تتجاوز التكنولوجيا نفسها: حاجة الإنسان إلى مشاركة مشاعره مع الآخرين. فالمنصات الاجتماعية لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، وإنما أصبحت أماكن للبحث عن التفاعل والاعتراف والمواساة أيضاً.

وربما لهذا تستمر ظاهرة «جمعة إكس» رغم تغير الموضوعات والترندات بسرعة. ففي يوم تتصدر فيه السياسة والاقتصاد والرياضة المشهد، تأتي الجمعة لتذكر المستخدمين بأن المنصة يمكن أن تكون أيضاً مكاناً بسيطاً للقول: أتذكر، أدعو، أشتاق، وأتمنى لكم الخير.

وهكذا، لا تبدو «جمعة إكس» مجرد ترند أسبوعي عابر، بل طقساً رقمياً يعيد إنتاج بعض أكثر العادات الاجتماعية دفئاً، ولكن هذه المرة على شاشة تجمع غرباء يتقاسمون الدعاء والحنين والذكريات.