جدل في سوريا.. إعلامي في داعش يتولى منصبا حكوميا في الرقة

بدون توضيح رسمي واضح وخطوات ملموسة لاستعادة الثقة، سيظل اسم محمد صبحي الناشف رمزاً لجدل لم يُحسم بعد، وجدلاً يذكر السوريين بأن جراح داعش لم تندمل بعد.
الخميس 2026/09/24
جدل يفتح الجراح

الرقة- أثار تعيين محمد صبحي الناشف، المعروف سابقاً بإعلامي في تنظيم داعش، في منصب حكومي مرتبط بالإدارة المحلية في الرقة موجة جدل واسعة في الأوساط السورية والعربية.

الجدل لم يقتصر على الأوساط المعارضة أو الناشطين، بل امتد إلى نقاشات داخل دوائر تدعم الإدارة الجديدة في شمال شرق سوريا، ووصل إلى منصات التواصل الاجتماعي حيث تساءل كثيرون: هل هذا تعيين يعكس سياسة "مصالحة" واقعية، أم خطأ أمنياً وإعلامياً فادحاً يعيد فتح جراح الماضي؟

ومحمد صبحي الناشف ليس اسماً مجهولاً لمن تابع إعلام تنظيم الدولة الإسلامية في ذروته. خلال سيطرة داعش على الرقة ومدن أخرى، ارتبط اسمه بإنتاج محتوى دعائي وإعلامي يروج للتنظيم ويبرر جرائمه.

وبعد انهيار الخلافة المزعومة، اختفى الناشف عن الأنظار الإعلامية المباشرة، ثم عاد اسمه إلى الواجهة مع تقارير عن انخراطه في هياكل إدارية محلية في مناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو إدارات مدنية مرتبطة بها في الرقة.

 والرقة، التي كانت عاصمة "الخلافة" الداعشية بين 2014 و2017، لا تزال تعاني من آثار الدمار والتهجير والذاكرة الجماعية للانتهاكات. وينظر إلى تعيين شخص له خلفية إعلامية داعشية في منصب حكومي (سواء في المجالس المحلية أو الإعلام أو الإدارة المدنية) من قبل كثيرين كتحدٍ مباشر لمشاعر السكان الذين عانوا تحت حكم التنظيم.

التقارير المحلية والإعلامية تحدثت عن دوره في هياكل إدارية، ما دفع ناشطين وصحفيين سوريين إلى التساؤل عن آليات التدقيق الأمني المعتمدة.

ويرى منتقدون أن أي شخص ساهم في آلة الدعاية الداعشية يتحمل مسؤولية معنوية كبيرة. الدعاية لم تكن مجرد "كلمات"، بل كانت جزءاً أساسياً من تجنيد المقاتلين وتبرير الجرائم ونشر الرعب. تعيينه يعني، برأيهم، أن "المصالحة" تحولت إلى تبرئة سريعة دون محاسبة حقيقية أو شفافية.

وقال معلق:

وأضاف آخر:

وكتب حساب:

وتواجه الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا تواجه اتهامات مستمرة بصعوبة بناء ثقة شعبية واسعة خارج الدوائر الكردية والعشائر المتحالفة. ويغذي تعيين شخص بهذا التاريخ سردية أن الإدارة تبحث عن كفاءات إعلامية أو إدارية بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الذاكرة الجماعية. في المقابل، قد يرى بعض المسؤولين أن إعادة إدماج من تخلوا عن التنظيم وقدموا ضمانات أمنية جزء من سياسة واقعية لمكافحة التطرف ومنع عودته.

ولا تزال المدينة مليئة بالناجين من حكم داعش والعائلات التي فقدت أبناءها أو تعرضت للانتهاكات. وأي منصب عام لشخص مرتبط بالتنظيم يُقرأ كإهانة رمزية، خاصة إذا لم تصاحب التعيين بيانات رسمية واضحة تشرح الظروف والأسباب والضمانات.

وانفجر النقاش على منصات التواصل، خاصة إكس  بسرعة. تغريدات كثيرة وصفت التعيين بـ"الفضيحة" أو "إعادة تدوير الدواعش"، بينما دافع آخرون عن فكرة أن الماضي لا يجب أن يظل عقوبة أبدية إذا ثبت التخلي الحقيقي عن الفكر المتطرف.

قضية الناشف ليست معزولة. ففي مناطق الصراع السوري المختلفة، سواء في الشمال الغربي أو الشمال الشرقي أو حتى في مناطق سيطرة النظام سابقاً، ظهرت محاولات لإعادة إدماج مقاتلين سابقين أو إعلاميين مرتبطين بتنظيمات متطرفة. المنطق الرسمي غالباً ما يستند إلى الحاجة إلى كوادر إدارية وإعلامية وتجنب خلق جيل جديد من المتطرفين عبر التهميش الكامل، بالإضافة إلى عقد اتفاقات قبلية أو أمنية محلية.

لكن التجربة الدولية في مرحلة ما بعد الصراع (من العراق إلى ليبيا مروراً بمناطق أخرى) تظهر أن إعادة الإدماج الناجحة تحتاج إلى شروط صارمة منها محاسبة حقيقية أو على الأقل اعتراف علني، برامج نزع التطرف الموثقة، رقابة مستمرة، وشفافية أمام المجتمع المحلي.
وبدون ذلك، تتحول "المصالحة" إلى مصدر انعدام ثقة، وقد توفر غطاءً لعودة شبكات قديمة.

وفي حالة الرقة تحديداً، يبدو أن غياب بيان رسمي مفصل من الجهات المعنية فاقم الشكوك.

ويتجاوز الجدل شخص الناشف. وهو يعكس معضلة أعمق تواجه كل القوى التي تدير مناطق في سوريا اليوم: كيف تبني شرعية محلية بعد سنوات من الحرب والتطرف والطائفية، خاصة أن الشرعية لا تُبنى فقط بالخدمات والأمن، بل أيضاً بالعدالة الرمزية واحترام الذاكرة الجماعية.

وبالنسبة للإدارة في شمال شرق سوريا، قد يكون التعيين محاولة لإظهار البراغماتية، لكنه جاء في توقيت حساس يضعف موقفها أمام منتقديها داخلياً وخارجياً. أما على المستوى الوطني السوري الأوسع، فيذكّر الحادث بأن ملف "المحاسبة والمصالحة" لا يزال معلقاً، وأن أي تسوية سياسية مستقبلية ستصطدم بأسئلة مشابهة حول مصير آلاف ممن انخرطوا في التنظيمات المتطرفة بدرجات متفاوتة.