جداريات في مدينة توزر تحاكي ثقافة الجريد التونسي
أنجز الفنان التشكيلي إسكندر تاج جداريات ضخمة في مدينة توزر جسدت ثقافة أهل الجريد والواحة بملامحهم وابتساماتهم البسيطة ولباسهم التقليدي، لتتحول المدينة إلى فضاء فني يعكس هوية الجنوب التونسي ويستقطب الأهالي والسياح.
توزر (تونس) ـ على امتداد خمسة وعشرين يوماً من العمل المتواصل، انكب الفنان التشكيلي إسكندر تاج، صاحب مشروع “جداريات الأربع والعشرين ولاية”، على إنجاز لوحات ضخمة تحاكي ثقافة أهل الجريد، وذلك ضمن فعاليات المهرجان الدولي للفنون التشكيلية بالجريد. وقد حظي هذا المشروع بدعم من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية ومحافظة توزر وبلدية المدينة، ليشكل حدثاً فنياً بارزاً أعاد تسليط الضوء على فن الجداريات كأحد أشكال التعبير البصري المرتبط بالهوية والذاكرة الجماعية.
منذ الأيام الأولى لانطلاق العمل، تحولت واجهة المكان الذي يحتضن الجداريات إلى نقطة جذب رئيسية، حيث توافد أبناء الجهة والسياح الأجانب والتونسيون على حد سواء لمتابعة مراحل الإنجاز، والتقاط الصور، والتأمل في المشاهد التي جسدت تفاصيل دقيقة من ملامح أهل الجريد وطبيعة المنطقة. فقد برزت في اللوحات عناصر بصرية أصيلة مثل الواحة، طائر “بوحبيبي”، اللباس التقليدي الجريدي، وألوان طبيعية أقرب ما تكون إلى الواقع، حتى بات الركن الذي يحتضن الجداريات مزاراً فنياً وسياحياً منذ افتتاحها للعموم يوم الأربعاء 14 جانفي.
◄ قدرة على تشكيل الألوان ورسم التفاصيل
وعبر المارة من أطفال المدارس والمواطنين والسياح عن انبهارهم بقدرة الفنان على تشكيل الألوان ورسم التفاصيل، حتى خُيّل إليهم أنها ألوان الطبيعة ذاتها. وقد لفتت انتباههم ملامح أهل الجريد بسمرتهم وبشاشتهم وبساطتهم، وهو ما جعل اللوحات تبدو وكأنها مرآة تعكس صورة المجتمع المحلي بكل خصوصياته. هذا التفاعل امتد إلى فضاءات التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت صور الجداريات بشكل واسع، مما ساهم في تعزيز حضورها كأداة للترويج السياحي.
وأكد رازي الرويسي، مدير مهرجان الفنون التشكيلية بالجريد، أن درجة التفاعل مع هذه الجداريات فاقت التوقعات، إذ وجد أبناء الجهة فيها هويتهم وملامح أقاربهم، بينما لمس الزوار تعبيراً عن ثقافة متفردة لسكان الواحات. وأوضح أن تداول الصور على المنصات الرقمية جعل من هذه الجداريات وسيلة للتسويق السياحي للمنطقة، مشيراً إلى أن نجاح المشروع كان ثمرة تنسيق محكم مع الفنان إسكندر تاج الذي تمكن من استلهام عناصر الثقافة والعادات والتقاليد المحلية، ليقدم عملاً يعبر عن ثقافة شاملة للمنطقة.
واختار الفنان إسكندر تاج أن يعنون لوحتيه الضخمتين باسم “الجريدي” و”للا”، حيث جسدت الأولى صورة الرجل الجريدي داخل ضيعته وهو يحمل حبات التمر، في رسالة واضحة لتثمين شجرة النخيل والرفع من شأن الفلاح. أما اللوحة الثانية فقدمت مشهداً لحفلات الزواج بالجريد، التي تقام عادة بعد موسم الجني، مع إبراز الواحة والأولياء الصالحين المنتشرة أضرحتهم داخلها، سواء في توزر أو نفطة، في إشارة إلى العلاقة الروحية العميقة التي تربط الأهالي بهؤلاء الأولياء.
وأوضح الفنان الذي راكم تجربة فنية تناهز ثلاثين سنة، أن خبرته في التعامل مع الألوان ورسم التفاصيل جعلت اللوحات قادرة على جذب المشاهد واستفزازه للتأمل. وأكد أن الجداريات تحوّل الجدران الجامدة إلى لوحات نابضة بالحياة، وأن تفاعل الجمهور مع هاتين اللوحتين فاق ما شهده في تجاربه السابقة ضمن مشروعه الممتد لرسم جداريات في مختلف ولايات الجمهورية التونسية الأربع والعشرين.
واعتبر أن الجداريات تمثل أحد أبرز عناصر فنون الشارع، الذي انتقل من كونه فناً غير مقنن وممنوعاً في عدة بلدان إلى فن منظم ومرخص له من قبل المؤسسات الثقافية. وأوضح أن هذا الفن يمس الإنسان بشكل مباشر، إذ تعبر كل لوحة عن قضية أو ذكرى أو رسالة معينة، وتتحول إلى أداة للسياحة الفنية، حيث يقصد السياح أماكن الجداريات خصيصاً لمشاهدتها أو التصوير معها، كما هو الحال في عدد من بلدان العالم.
ورغم النجاح الذي حققه المشروع، شدد إسكندر تاج على أن فن الجداريات في تونس ما يزال في حاجة إلى تشجيع أكبر ودعم أوفر من وزارة الشؤون الثقافية، معتبراً أن مسؤولية النهوض بهذا الفن تقع أيضاً على عاتق وزارة السياحة، نظراً لقدرة الجداريات على استقطاب السياح والترويج للوجهات المحلية. وأعرب عن أمله في أن يتحول هذا الفن إلى مجال قائم الذات، خاصة مع وجود عدد كبير من الفنانين الموهوبين الذين يحتاجون إلى الدعم المادي والمعنوي.
الفنان كشف عن طموحه لمواصلة مشروعه الفني برسم جداريات في جميع ولايات الجمهورية، إلى جانب مشروع آخر يتمثل في إعداد أكبر جدارية في شمال إفريقيا، تكون بمثابة وثيقة بصرية للهوية التونسية. كما يسعى إلى توثيق جميع أعماله في كتاب جامع، يخلد تجربته ويتيح للباحثين والمهتمين الاطلاع على مسار فن الجداريات في تونس.



