تمرير السردية الإيرانية في وسائل الإعلام العربية يثير مخاوف أمنية
القاهرة- أثار السماح لبعض وسائل الإعلام العربية ببث روايات وادعاءات إيرانية تستهدف دول الخليج جدلا حادا في الأوساط الإعلامية والسياسية العربية، حيث يرى منتقدون أن ذلك يمثل اختراقا للأمن المجتمعي العربي ويمنح الرواية الإيرانية منصة لنشر ما يصفونه بالافتراءات دون فحص أو تدقيق. يأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه المنطقة توترات إقليمية متصاعدة، مع اتهامات متبادلة حول استخدام أراضي وأجواء دول الخليج في الصراع مع إيران. وتدور المناقشات حول مدى مسؤولية وسائل الإعلام العربية عن السماح لمتحدثين إيرانيين أو متعاطفين مع طهران بتقديم سرديات تتهم دول الخليج بدعم عمليات عسكرية ضد إيران، بينما يُغلق الباب أمام الردود الخليجية في الإعلام الإيراني.
ويخشى مراقبون أن يؤدي السماح غير المتوازن بتمرير السرديات الإيرانية إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمعات العربية، وإضعاف الثقة في المؤسسات الإعلامية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تغطية مهنية متوازنة تحترم الحقائق وتخدم المصالح الوطنية العربية.
وندد منتدى الأمن الإعلامي العربي (أرامس) تنديدا شديدا ببعض وسائل الإعلام العربية لمنحها مساحة للروايات الإيرانية التي تتهم دول الخليج بالسماح للقوات الأميركية باستخدام أراضيها وأجوائها لضرب إيران، معتبرا ذلك تهديدا للأمن الإقليمي والهوية العربية.
وأصدر المنتدى بيانا السبت، وصف فيه هذه الممارسة بأنها “اختراق واضح” لمبادئ الأمن الإعلامي، و”اعتداء” على الأمن المجتمعي والهوية العربية. وأبرز المنتدى التباين أحادي الجانب؛ حيث يروج الإعلام الإيراني بقوة ادعاءات ضد دول الخليج، فيما يُمنع تقريبا أي صوت خليجي من الظهور في الوسائل الإعلامية الإيرانية.
خبراء:
مواجهة هذه التحديات تتطلب إستراتيجية إعلامية عربية موحدة تركز على المهنية والتحقق من المصادر، مع الحفاظ على حرية التعبير
وقال طارق آل شيخان الشمري، رئيس مجلس العلاقات العربية الدولية ورئيس منتدى الأمن الإعلامي العربي، في البيان إن الإعلام الإيراني يسخّر جهودا كبيرة للدفاع عن الأمن الوطني الإيراني، بما في ذلك “نشر الافتراءات والتشويهات” ضد دول مجلس التعاون الخليجي الست. واستشهد بمزاعم إيرانية محددة تفيد بأن هذه الدول تسمح للأميركيين باستخدام أراضيها وأجوائها لشن ضربات محتملة على إيران.
وأضاف الشمري “في الوقت الذي لا يُسمح فيه للخليجيين بالظهور في وسائل الإعلام الإيرانية لعرض الحقائق أو تفنيد تلك الادعاءات، تفسح بعض وسائل الإعلام العربية المجال للإيرانيين ومن يتعاطف معهم لبث افتراءات تتناقض جملة وتفصيلاً مع الرواية والحقائق الخليجية”.
ويأتي هذا النقد في ظل توترات إقليمية متصاعدة. ويلاحظ مراقبون أن وسائل إعلام إيرانية رسمية أو مقربة، مثل “برس تي في”، تروج بانتظام روايات تُصور التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة على أنه عدوان، بينما تتجاهل أو تقلل من أنشطة إيران الإقليمية.
ومن الأمثلة على هذه الديناميكية، منصات ناطقة بالعربية مدعومة أو متعاطفة مع إيران تعيد صياغة تغطية الاحتجاجات أو النزاعات بطريقة تخدم طهران. وفي تغطيات سابقة لاضطرابات إقليمية، صورت وسائل إعلام موالية للخط الإيراني التظاهرات على أنها مؤامرات أجنبية، مستخدمة لقطات انتقائية وتعليقات لتشكيل الرأي العام العربي.
ودعا الشمري إلى الالتزام بمعايير إعلامية عالمية تحمي من الرسائل المعادية كجزء من إستراتيجيات الأمن الوطني، مضيفا أن “بعض وسائل الإعلام العربية لم تلتزم بذلك، للأسف”، في ظل ما وصفه بـ”الاستهداف الإيراني للمجتمعات الخليجية”.
وحث مراقبون على “الحذر من هذا التصرف الإعلامي غير المسؤول” الذي يستهدف الهوية العربية والأمن المجتمعي. وشدد على أهمية الصحافة المسؤولة التي تضع الدقة الواقعية فوق منح المنصات لروايات معادية دون تدقيق. ويبرز هذا الموقف المنافسات الإعلامية طويلة الأمد في الشرق الأوسط، حيث تلعب حرب المعلومات دورا محوريا في المنافسة الجيوسياسية.
وتعود جذور هذه المنافسات الإعلامية إلى عقود، حيث أصبحت وسائل الإعلام أداة أساسية في صراع النفوذ الإقليمي. ومنذ الثورة الإيرانية عام 1979، اعتمدت طهران على الإعلام كسلاح إستراتيجي لتصدير ثورتها وتعزيز “محور المقاومة”، من خلال محطات مثل “المنار” التابعة لحزب الله، وقناتي “العالم” و”برس تي في” الناطقتين بالعربية، وهي قنوات تبث روايات موحدة تدين “الإمبريالية الأميركية” و”الرجعية العربية”.
◄ منتدى الأمن الإعلامي العربي ندد ببعض وسائل الإعلام العربية لمنحها مساحة للروايات الإيرانية التي تتهم دول الخليج بالسماح للقوات الأميركية باستخدام أراضيها وأجوائها لضرب إيران
في المقابل طورت دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات وقطر، منظومة إعلامية قوية لمواجهة هذا النفوذ. وأدى هذا التنافس إلى ما يُسمى “حروب القنوات الفضائية”، التي تصاعدت خلال أزمات مثل حرب الخليج الثانية، وثورات الربيع العربي، والحرب في سوريا واليمن.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت حرب المعلومات إلى ساحة أوسع وأكثر تعقيدا. وأصبحت المنصات الرقمية، مثل إكس وتيك توك وتليغرام، أدوات رئيسية لنشر السرديات.
وطورت إيران شبكات واسعة من الحسابات المؤثرة والصفحات “الرمادية” التي تبدو مستقلة لكنها تنقل الرواية الرسمية، بينما ردت دول الخليج بمراكز متخصصة في مكافحة التضليل وإدارة الحملات الرقمية.
وتشير الدراسات إلى أن هذه الحرب الإعلامية لا تقتصر على الدعاية فحسب، بل تؤثر مباشرة على الاستقرار الداخلي. فهي تعمق الانقسامات المجتمعية، وتغذي التوترات الطائفية، وتؤثر على قرارات الحكومات في مجالات الأمن والاقتصاد. وفي هذا السياق يرى مراقبون أن السماح بتمرير السردية الإيرانية في بعض المنصات العربية ليس مجرد خيار تحريري، بل قد يكون جزءا من ديناميكية أوسع تشمل المنافسة السياسية والاقتصادية بين المحاور الإقليمية.
ويؤكد خبراء أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إستراتيجية إعلامية عربية موحدة تركز على المهنية والتحقق من المصادر، مع الحفاظ على حرية التعبير، بدلاً من الانجرار إلى لعبة الردود الارتجالية التي قد تزيد من حدة الاستقطاب.