تطوان تجمع ثقافات المتوسط في احتفالية فنية كبرى

طموح متزايد لجعل الثقافة رافعة للتنمية المحلية، ووسيلة لتعزيز الحوار بين الشعوب.
السبت 2026/04/18
مدينة متفاعلة مع محيطها المتوسطي

في أجواء نابضة بالحياة تفتح تطوان أبوابها للعالم احتفاءً بالثقافة والحوار المتوسطي، حيث تلتقي الفنون والتقاليد والأفكار لتصنع جسورًا جديدة بين الشعوب، وتمنح الزوار تجربة فريدة تعكس روح التعايش والانفتاح والإبداع المتجذر في تاريخ المدينة العريق.

تطوان (المغرب)- انطلقت بمدينة تطوان المغربية مساء الخميس رسميا فعاليات “تطوان عاصمة متوسطية للثقافة والحوار لعام 2026″، في أجواء احتفالية مميزة حضرها عدد من السياسيين والدبلوماسيين، إلى جانب نخبة من الفنانين والمثقفين والفاعلين المدنيين. ويأتي هذا الحدث الثقافي ليؤكد المكانة المتقدمة التي تحظى بها المدينة على الصعيدين الوطني والدولي، باعتبارها فضاء تاريخيا للتلاقح الحضاري والتنوع الثقافي.

وتتوزع فعاليات هذا الحدث، الذي يمتد على مدى ثلاثة أيام في انطلاقته الرسمية، على سلسلة من الأنشطة الثقافية والفنية المتنوعة، تشمل ندوات فكرية وثقافية، ومعارض فنية وحرفية، إضافة إلى سهرات موسيقية تراثية وعصرية.

وتهدف هذه الأنشطة إلى التعريف بالتراث المادي وغير المادي للمدينة، المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي للإنسانية لدى اليونسكو، لما تزخر به من معالم تاريخية وفنية تعكس غنى الحضارة المغربية وتفاعلها مع محيطها المتوسطي.

العربي المصباحي: برنامج الاحتفالات سيتواصل طيلة السنة عبر تنظيم أنشطة فنية وأدبية وفكرية متنوعة

ويسعى منظمو هذه التظاهرة إلى جعلها منصة حقيقية لتلاقي ثقافات بلدان البحر الأبيض المتوسط، عبر تعزيز الحوار الثقافي وتبادل الخبرات بين مختلف الفاعلين، خاصة فئة الشباب. كما تروم المبادرة إتاحة الفرصة لابتكار حلول إبداعية للتحديات الراهنة التي تواجه المنطقة، من خلال مقاربات ثقافية وفنية تسهم في ترسيخ قيم التعايش والسلام والاستقرار بين ضفتي المتوسط.

وفي هذا السياق أعلنت الهيئة المشرفة على الاحتفالية عن برنامج غني ومتنوع من الأنشطة التي تمتد على مدار السنة، وليس فقط خلال أيام الافتتاح، حيث تشمل معارض فنية وحرفية، ولقاءات فكرية، وعروضًا موسيقية، فضلا عن ورشات تكوينية موجهة للشباب. ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية شمولية تروم تحويل الحدث إلى ديناميكية ثقافية مستدامة تساهم في تنشيط الحياة الثقافية بالمدينة وتعزيز إشعاعها.

وعن تفاصيل برنامج الأيام الأولى للاحتفال، أوضح المدير الإقليمي للثقافة بتطوان، العربي المصباحي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أنه تمت برمجة مجموعة من الفعاليات خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 18 أبريل، تتضمن على الخصوص تنظيم ستة معارض تسلط الضوء على الموروث الثقافي المحلي، في مجالات الصناعة التقليدية والحرف اليدوية والفنون المعمارية، إضافة إلى فنون الطبخ والزليج والتطريز التي تشتهر بها المدينة.

وأضاف أن اليوم الأول من الاحتفالات تميز بتنظيم أمسية فنية متنوعة، جمعت بين أصالة التراث وروح الإبداع المعاصر، حيث تم تقديم وصلات من طرب الآلة، إلى جانب عروض لجوق الموسيقى الشعبية النسوي، وفقرات من فن العيطة الجبلية المعروفة بـ”الطقطوقة الجبلية”. كما تضمن البرنامج عروضًا للأزياء التقليدية التطوانية التي تعكس أناقة اللباس المحلي وتفرده.

أما اليوم الثاني فقد خُصص للجانب الأكاديمي والفكري، من خلال تنظيم ندوتين علميتين. الأولى احتضنتها رحاب جامعة عبدالمالك السعدي، وتناولت موضوع التعايش الثقافي في مدينة تطوان وخصائصها الحضارية، ودورها التاريخي في تعزيز التواصل مع الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. فيما نظمت الندوة الثانية في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، وركزت على الخصائص المميزة للمعمار المغربي – الأندلسي الذي تشتهر به المدينة، باعتباره أحد أبرز تجليات الهوية الثقافية المحلية.

المهدي الزواق: الاحتفالية تشكل فرصة لإبراز الخصوصيات الثقافية والتراثية الغنية التي تتميز بها المدينة

وفي اليوم الثالث تم تخصيص برنامج للأطفال، من خلال تنظيم صبيحة فنية داخل المؤسسات التعليمية، تهدف إلى غرس القيم الثقافية لدى الناشئة وتعريفهم بتراث مدينتهم. كما تم تنظيم كرنفال احتفالي بمشاركة تلاميذ عدد من المدارس، في مشهد احتفالي يعكس حيوية المدينة وتفاعل سكانها مع الحدث. واختتمت الفعاليات بأمسية فنية كبرى في ساحة مولاي المهدي، أحياها الفنان التطواني زهير البهاوي، وسط حضور جماهيري لافت.

وفي تصريحه، أكد العربي المصباحي أن برنامج الاحتفالات لن يقتصر على هذه الأيام الثلاثة، بل سيتواصل طيلة السنة عبر تنظيم أنشطة فنية وأدبية وفكرية متنوعة، تهدف إلى إبراز العمق التاريخي لمدينة تطوان، المعروفة بـ”الحمامة البيضاء”، وتعزيز دورها كجسر حضاري يربط بين ضفتي المتوسط. كما شدد على أهمية استثمار هذا الإرث الثقافي في خلق ديناميكية تنموية، خاصة في مجالي السياحة والاقتصاد الثقافي.

من جهته أبرز المهدي الزواق، مدير المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان وعضو الهيئة المنظمة، أن هذه الاحتفالية تشكل فرصة لإبراز الخصوصيات الثقافية والتراثية الغنية التي تتميز بها المدينة، مشيرًا إلى أن نجاح هذا الحدث رهين بتضافر جهود مختلف الفاعلين، من مؤسسات رسمية ومجتمع مدني.

وأضاف أن السنة الجارية ستكون حافلة بالأنشطة المتنوعة، التي تشمل مجالات الموسيقى والفنون التشكيلية والتراث، إلى جانب الملتقيات العلمية والفكرية، بمشاركة فنانين وباحثين وخبراء من داخل المغرب وخارجه. واعتبر أن هذه الديناميكية الثقافية من شأنها تعزيز مكانة تطوان كوجهة ثقافية متميزة على المستوى المتوسطي.

ويؤكد برنامج التظاهرة، في مجمله، على تنظيم ستة معارض فنية تشمل مجالات الفن التشكيلي، والزليج، والتطريز، والصناعة التقليدية، وفنون الطبخ والحلويات، إضافة إلى ندوتين فكريتين حول “تطوان أرض تعايش الثقافات والحوار” و”المعمار، الإنسان والمجال في البعد المتوسطي”. كما يتضمن البرنامج سهرات موسيقية متنوعة تبرز غنى التراث الفني للمنطقة وتنوعه.

وتعكس هذه الاحتفالية الطموح المتزايد لجعل الثقافة رافعة للتنمية المحلية، ووسيلة لتعزيز الحوار بين الشعوب، في عالم يزداد فيه الاهتمام بالدبلوماسية الثقافية كأداة لبناء جسور التواصل والتفاهم. كما يكرس اختيار تطوان عاصمة متوسطية للثقافة والحوار مكانتها كمدينة تاريخية نابضة بالحياة، تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتشكل نموذجًا للتعايش والتنوع في الفضاء المتوسطي.

12