ترامب يعيد تسمية الذكاء الاصطناعي: "الذكاء الفائق"

الرئيس الأميركي يقول إن التحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي «خدعة» مشابهة لتحذيرات سابقة عن الاحتباس الحراري.
الأربعاء 2026/09/23
بطل التسميات

نيويورك- أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء، أن الوثائق الحكومية الأميركية ستستخدم من الآن فصاعداً مصطلح «الذكاء الفائق» أو «الذكاء الخارق» (Super Intelligence أو SI) بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» (Artificial Intelligence). وقال ترامب إن كلمة «اصطناعي» تجعل التقنية تبدو «زائفة»، بينما هي في الواقع «مذهلة وحقيقية»، داعياً العالم إلى تبني التسمية الجديدة.

وجاء الإعلان ضمن خطاب أوسع رفض فيه ترامب أي «مخطط عولمي» للسيطرة على هذه التقنية، وأكد أن الولايات المتحدة تتصدر السباق أمام الصين وبقية الدول، وأن إدارته لن تعرقل نمو قطاع يراه أكبر من الثورة الصناعية أو الإنترنت نفسه. وأضاف أن التحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي «خدعة» مشابهة لتحذيرات سابقة عن الاحتباس الحراري، مشدداً على أن الرقابة ستتم عبر وزارة العدل والأنظمة القائمة دون فرض قيود تعيق الابتكار.

سبق الإعلان استطلاعات رأي أجراها ترامب على منصة «تروث سوشيال»، عرض فيها بدائل مثل «الذكاء المتفوق» و«الذكاء الأسمى» و«الذكاء الشديد»، قبل أن يستقر على «الذكاء الفائق». وفي اليوم السابق للكلمة، استخدم المصطلح بالفعل في منشور يعد فيه بتشجيع التقنية لا كبحها.

 

أثار المقترح جدلاً فورياً بين الخبراء والمتابعين. ففي الأوساط التقنية والأكاديمية، يُستخدم مصطلح «الذكاء الفائق» أو «الذكاء الاصطناعي الفائق» (Artificial Superintelligence - ASI) منذ سنوات للإشارة إلى مستوى مستقبلي نظري يتجاوز القدرات البشرية في كل المجالات تقريباً، كما عرّفه الفيلسوف نيك بوستروم في كتابه الشهير «Superintelligence» الصادر عام 2014. أما الذكاء الاصطناعي الحالي، فهو أنظمة متخصصة أو عامة محدودة (مثل نماذج اللغة الكبيرة) لا تصل إلى هذا المستوى. وبالتالي، يرى كثيرون أن إعادة تسمية التقنية الحالية بهذا المصطلح تخلق التباساً مفاهيمياً، وقد تُستخدم لتقليل المخاوف الحقيقية من التطورات المستقبلية.

 

من جهة أخرى، رحب بعض المسؤولين في إدارة ترامب بالخطوة. فقد كتب كبير مسؤولي التكنولوجيا الأمريكي إيثان كلاين أن «رئيس الذكاء الفائق قد تكلم»، بينما أكد سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز أن التسمية الجديدة أدق. ويرى مؤيدو المقترح أنه يعكس رؤية متفائلة تدعم الابتكار الأمريكي في مواجهة المنافسة الصينية، خاصة مع اقتراب لقاءات محتملة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.

أما المنتقدون فيشيرون إلى أن تغيير الاسم لا يغير الواقع التقني أو المخاطر. ففي الأسابيع السابقة، برزت دعوات من شخصيات بارزة مثل جيفري هينتون ودارِيو أمودي (الرئيس التنفيذي لأنثروبيك) لفرض ضوابط أو إبطاء التطوير المتقدم، وسط تحذيرات من فقدان السيطرة أو استخدامات عسكرية ووظيفية مدمرة. كما طرح السناتور بيرني ساندرز والنائب جريج كاسار مبادرة لحظر «الذكاء الاصطناعي الفائق» مؤقتاً أو دائماً. ويرى هؤلاء أن رفض ترامب للتنظيم الدولي أو الفيدرالي الجديد، مع الاعتماد فقط على وزارة العدل، قد يعرض المجتمع لمخاطر غير محسوبة، خاصة مع تسارع الاستثمارات في مراكز البيانات والنماذج الأكبر.

يحمل المقترح أبعاداً سياسية واضحة. فترامب يربط بين التحذيرات من التقنية وبين ما يسميه «اليسار الراديكالي» و«العولميين»، ويصفها ضمن سلسلة «خدع» سابقة. وفي الوقت نفسه، يعلن عن خطط موازية مثل إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين «قيصر» أو مستشار رفيع المستوى لها، على غرار «قوة الفضاء». هذه الخطوات تعكس استراتيجية تقوم على التسريع لا التقييد، مع الحفاظ على الريادة الأميركية كأولوية أمنية واقتصادية.

من الناحية العملية، ليس واضحاً بعد مدى إلزامية التغيير داخل الأجهزة الحكومية الأميركية. فبعض التقارير تشير إلى عدم صدور أمر تنفيذي رسمي فوري، وأن البيت الأبيض أحال الاستفسارات إلى نص كلمة الأمم المتحدة. كما أن المصطلح المستخدم في القوانين والوثائق الدولية سيظل «الذكاء الاصطناعي» على الأرجح، ما قد يولد ازدواجية في التسميات داخل الإدارة نفسها. وفي الصناعة التقنية، من غير المتوقع أن تتخلى الشركات عن اختصار AI الراسخ عالمياً، رغم أن بعض الدوائر المقربة بدأت تستخدم SI.

يحمل الجدل بعداً رمزياً أعمق. فتغيير الأسماء ليس جديداً على ترامب، الذي أعاد تسمية خليج المكسيك بـ«خليج أميركا» وغير مسميات أخرى في الوثائق الفيدرالية. غير أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن الجغرافيا؛ فهو تقنية متغيرة سريعاً تمس الاقتصاد والعمل والأمن والحياة اليومية. ويخشى بعض المحللين أن يساهم المصطلح الجديد في طمأنة الرأي العام بشكل مبالغ فيه، أو في إضعاف النقاش الجاد حول السلامة والأخلاقيات.

في المقابل، يرى مؤيدو الرؤية الترامبية أن التركيز المفرط على المخاطر قد يخدم المنافسين، خاصة الصين، وأن الابتكار الأميركي يحتاج إلى بيئة تشجيعية لا قيود مسبقة. ويؤكد ترامب أن الولايات المتحدة «تتصدر الآن بفارق كبير»، وأن من يفوز بـ«الذكاء الفائق» يفوز بكل شيء. هذا الخطاب يضع التقنية في إطار المنافسة الجيوسياسية أكثر من كونها تحدياً وجودياً أو اجتماعياً.

مع مرور الأيام، سيظهر ما إذا كان المصطلح الجديد سيقتصر على الخطابات الرسمية الأميركية أم سيمتد إلى الإعلام والسياسات. وحتى الآن، يبدو أن الإعلان نجح في جذب الانتباه العالمي، لكنه فتح نقاشاً حول دقة اللغة المستخدمة في وصف تقنية قد تعيد تشكيل الحضارة. فالفرق بين «اصطناعي» و«فائق» ليس مجرد كلمات؛ إنه يعكس رؤيتين مختلفتين للمستقبل: واحدة حذرة تبحث عن ضوابط، وأخرى متسارعة ترى في التفوق التقني مفتاحاً للقوة.