ترامب يحتفل بإلغاء برنامج كولبير بفيديو ذكاء اصطناعي ساخر
واشنطن- فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة، بعد نشره مقطع فيديو ساخرا ومعدلا بالكامل بواسطة تقنية الذكاء الاصطناعي، يظهره وهو يلقي بمقدم البرامج الليلية الشهير ستيفن كولبير داخل حاوية قمامة كبيرة.
المقطع الذي تبلغ مدته 22 ثانية، وبُث عبر منصات التواصل الاجتماعي الرسمية والحساب التابع للبيت الأبيض، نُشر بعد ساعات قليلة من عرض الحلقة الأخيرة لبرنامج “ذا ليت شو” (The Late Show) على شبكة “سي.بي.إس”، مما أثار انقساما حادا واستنكارا واسعا من الأوساط الإعلامية التي اعتبرت الخطوة هجوما رمزيا خطيرا على حرية الصحافة وسخرية من الخصوم باستخدام التزييف الرقمي.
يظهر مقطع الفيديو المفبرك أستوديو برنامج “ذا ليت شو” ومقدمه ستيفن كولبير وهو يلقي مونولوجا وداعيّا للجمهور قائلا “أهلا بكم من جديد في بثنا الأخير، سيداتي وسادتي”. وفي تلك اللحظة يقتحم ترامب المشهد فجأة من الخلف، ويمسك بكولبير ويقذفه بقوة داخل حاوية نفايات خضراء وضعت وسط المسرح.
وينتهي المقطع بقطع سريع يظهر فيه الرئيس الأميركي وهو يؤدي رقصته الشهيرة بحركات ذراعيه المعهودة على أنغام أغنية السبعينات المعروفة “YMCA” أمام الحاوية المغلقة ووسط تصفيق حاد من الجمهور المولّد رقميا. ونشر حساب البيت الأبيض الرسمي على منصة إكس الفيديو مصحوبا بعبارة مقتضبة: “وداعا.. وداعا”.
لم يكتف ترامب بنشر الفيديو، بل أتبعه بسلسلة منشورات هجومية على منصته “تروث سوشيال”، محولاً نهاية البرنامج إلى انتصار سياسي شخصي وتصفية حسابات علنية. وكتب ترامب “إقالة ستيفن كولبير من سي.بي.إس هي بداية النهاية لمقدمي البرامج الليلية عديمي الموهبة، البغيضين، والمتقاضين أجورا مبالغا فيها”، وأضاف ساخرا “آخرون أقل موهبة سيلحقون به قريبا.. والحمد لله أنه رحل أخيرا”.
جاء رد الفعل هذا بالرغم من التقارير الرسمية التي أكدت أن الحلقة الختامية لبرنامج كولبير حققت نسب مشاهدة قياسية وهائلة بلغت نحو 6.7 مليون مشاهدة وفقا لبيانات مؤسسة “نيلسن” المعنية بإحصاءات البث.
امتدت العلاقة المتوترة بين ترامب وكولبير لأكثر من عقد، حيث كان الأخير يمثل أشرس الأصوات الكوميدية النقدية ضد الإدارة الحالية وسياساتها. وجاء قرار الإلغاء المفاجئ للبرنامج بعد إعلان شركة “باراماونت غلوبال”، المالك السابق لشبكة سي.بي.إس، إنهاء العرض الممتد منذ 33 عاما لأسباب وصفتها بـ”المالية والتنظيمية البحتة”.
إلا أن مصادر إعلامية ومراقبين ربطوا بين التوقيت وضغوط سياسية خفية، وخاصة أن الإلغاء تزعّمته رغبة من الشركة في نيل موافقة إدارة ترامب لتمرير صفقة اندماج تجارية ضخمة بقيمة 8 مليارات دولار مع شركة “سكايدانس”. وزاد من حدة الخلاف انتقاد كولبير العلني لشبكته قبل أيام من إيقافه، بسبب إبرامها تسوية مالية مع ترامب بقيمة 16 مليون دولار، بعد أن اتهم الرئيس الشبكة بتعديل مقابلته السابقة مع منافسته الديمقراطية كامالا هاريس “بشكل خبيث”.
وأثارت النهاية القسرية للبرنامج وطريقة سخرية البيت الأبيض موجة تضامن لافتة داخل الوسط الإعلامي في نيويورك وهوليوود. واحتجاجا على أسلوب الإدارة، قرر مقدم البرامج الشهير جيمي كيميل إيقاف بث برنامجه على شبكة “إيه.بي.سي” مؤقتا تضامنا مع كولبير وإرث برنامجه التاريخي. كما حرص كولبير على إضفاء طابع احتفالي دافئ على حلقته الأخيرة بحضور رموز كبرى مثل بول مكارتني وبروس سبرينغستين، متجنبا الرد المباشر على ترامب، ومكتفيا بنشر صورة شكر بسيطة لفريق عمله.
وأعادت الحادثة فتح نقاشات معمقة في واشنطن حول مخاطر استغلال كبار القادة السياسيين لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تشويه السمعة السياسية والشخصنة الرقمية. ويرى خبراء ومحللون ديمقراطيون أن قيام رئيس البلاد بنشر مواد “تزييف عميق” تصور إلقاء معارضيه في القمامة، يمثل سابقة تزيد من حدة الاستقطاب وتآكل المعايير الديمقراطية في التعامل مع الصحافة الحرة.