تحقيق تركي رسمي مع قناة أساءت لأحمد الشرع لتجاوزها الخطوط الحمراء
أنقرة- أعلن المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون في تركيا فتح تحقيق رسمي بحق قناة “سوزجو.تي.في” (Sözcü TV) المعارضة. وجاء هذا الإجراء على خلفية تصريحات وصفتها الهيئة بالـ”مسيئة” بحق الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، أطلقتها المذيعة سيراب بيلوفاجيكلي خلال برنامجها “Haber Saati” (ساعة الخبر).
وفقاً للبيانات والتحليلات الصادرة عن المنصات التركية بمختلف توجهاتها، فإن هذه الحادثة لا تقتصر على كونها مجرد مخالفة إعلامية عابرة، بل تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة ترتبط مباشرة بالعقيدة الدبلوماسية الحالية لأنقرة.
وانطلقت الأزمة خلال مناقشة تلفزيونية حول ملفات داخلية تركية وتطورات العملية السياسية، حيث قامت المذيعة بمقارنة هوية الدولة التركية الحديثة ومؤسسها مصطفى كمال أتاتورك بما يجري في الجارة سوريا، مستخدمةً عبارات حادة.
وقالت بيلوفاجيكلي بلهجة استنكارية “هذه ليست سوريا.. لا يمكنكم أن تفرضوا احترام إرهابيين أو قتلة بمجرد وضع ربطة عنق لهم”.
وفجّر المقطع موجة غضب واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وتلقفت وسائل الإعلام المقربة من الحكومة التركية مثل صحيفة “يني شفق” وقناة “هابر” هذه التصريحات واصفةً إياها بـ”الفاضحة”، معتبرةً أن الزج باسم سوريا في سياقات المقارنة يحمل إهانة للشعب السوري بأكمله.
"مقص الرقيب" لم يعد التركي مقتصراً على ضبط معايير الآداب العامة أو اللغة الفنية، بل بات أداة أمنية وسياسية تتدخل فوراً لمنع تعكير صفو العلاقات مع الشركاء الإقليميين
واستند مجلس الإذاعة والتلفزيون في قراره الفوري بفتح التحقيق إلى القانون رقم 6112 الناظم للبث المرئي والمسموع في البلاد. وجاء البيان الرسمي للمجلس حاملاً لغة قانونية ودبلوماسية صارمة جداً.
ووصف البيان أحمد الشرع صراحةً بـ”الرئيس الشرعي والمسؤول لدولة سوريا المجاورة”، وهو ما يعد وثيقة إعلامية رسمية تؤكد اعتراف أنقرة بالتموضع السياسي الجديد في دمشق.
وأكدت الهيئة الرقابية أن توجيه “اتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة” لرئيس دولة جارة يلحق ضرراً مباشراً بعلاقات حسن الجوار بين البلدين. وأوضح المجلس أن محتوى الحلقة لا ينسجم إطلاقاً مع رؤية الجمهورية التركية للسياسة الخارجية ومبادئها الأساسية وعقيدتها الدبلوماسية.
وأظهر رصد التغطية الإعلامية في تركيا انقساماً واضحاً في زوايا معالجة هذا التحقيق. وركّزت الصحافة الموالية بشكل كامل على حماية الرموز السياسية للجارة سوريا وصون العلاقات الدبلوماسية. واعتبرت أن استخدام الإعلام المعارض لملفات السياسة الخارجية الحساسة لتصفية حسابات حزبية داخلية يعد سلوكاً غير مسؤول يهدد الأمن القومي والمصالح التركية في المنطقة.
أما الصحافة المعارضة والمستقلة، فقد التزمت بنقل نص تصريحات المذيعة وبيان المجلس الرسمي، لكنها ركزت من زاوية تحليلية على أن التحقيق يمثل وجهاً من أوجه التضييق على العمل الإعلامي.
وأشارت بعض منصات المعارضة إلى أن الرقابة باتت تفرض على الصحفيين أن تتماشى تحليلاتهم بالضرورة مع “الرؤية الحكومية” للسياسة الخارجية، مما يقلص مساحة النقد السياسي المتاح في المحطات التلفزيونية.
ويكشف هذا التحقيق السريع والعلني عن تحول الرقابة إلى أداة دبلوماسية، إذ لم يعد “مقص الرقيب” التركي مقتصراً على ضبط معايير الآداب العامة أو اللغة الفنية، بل بات أداة أمنية وسياسية تتدخل فوراً لمنع تعكير صفو العلاقات مع الشركاء الإقليميين.
ويقتصر الإجراء القانوني الحالي ضد قناة “سوزجو.تي.في” على المراجعة الدقيقة والتحقيق من قِبل خبراء الرصد دون صدور عقوبات مالية أو إغلاق حتى اللحظة. ومع ذلك، فإن القضية تظل مؤشراً بليغاً على أن الإعلام المعارض في تركيا بات محكوماً بضوابط جيوسياسية شديدة التعقيد، حيث تتراجع هوامش “حرية التعبير” التقليدية عندما تصطدم مباشرة بحسابات المصالح العليا للجمهورية التركية في محيطها الإقليمي.