تجربة وايمو تختبر حدود نضج أنظمة القيادة الآلية

انقطاع خدمة سيارات الأجرة الذاتية التابعة للشركة في سان فرانسيسكو ولد دوامة من الشكوك حول أداء الخوارزميات.
الأربعاء 2026/01/07
الخوارزميات تتكفل بإيصالك إلى وجهتك

في ظل التسارع اللافت للتكنولوجيا، لم تعد القيادة الآلية مجرد تصور مستقبلي، بل تحولت إلى واقع قيد الاختبار اليومي في شوارع المدن الكبرى. وبينما تتنافس الشركات على بلوغ أعلى درجات الأتمتة، تبرز تجربة وايمو بوصفها إحدى أكثر التجارب جرأة، لكنها في الوقت ذاته تختبر نضج هذا التوجه وسط استمرار التحديات وتعقيداتها.

سان فرانسيسكو (الولايات المتحدة) – تكشف تجربة وايمو المليئة بالتناقضات مع نشر أسطول من سيارات الأجرة التي تتحكم فيها الخوارزميات عن فجوة دقيقة بين ما هو ممكن تقنيًا وما هو قابل للاعتماد المجتمعي والتنظيمي.

ويضع التعامل مع سيناريوهات غير متوقعة، وسلوكيات بشرية متباينة، وبنية تحتية غير مثالية، أنظمة القيادة الآلية أمام اختبارات حاسمة تتجاوز دقة الخوارزميات إلى مفاهيم السلامة والمسؤولية والاستدامة.

ومن هنا تتحول الشركة الأميركية المملوكة لمجموعة ألفابت، الشركة الأم لغوغل، إلى نموذج يختبر ليس فقط أداء المركبات الذاتية، بل أيضًا مدى جاهزية هذا النمط من النقل ليصبح جزءًا مستقرًا من الحياة اليومية.

وأثار انقطاع واسع النطاق للكهرباء في سان فرانسيسكو، والذي أدى إلى توقف سيارات وايمو واختناقات مرورية في ديسمبر الماضي، مخاوف بشأن جاهزية مشغلي المركبات ذاتية القيادة للتعامل مع حالات الطوارئ الكبرى مثل الزلازل والفيضانات.

وعُلقت سيارات الأجرة ذاتية القيادة التابعة للشركة، والتي باتت منتشرة في شوارع المدينة، عند التقاطعات مع تشغيل أضواء التحذير، وذلك بعد توقف إشارات المرور إثر حريق في محطة فرعية تابعة لشركة بي.جي آند إي.

وأدى ذلك الوضع إلى انقطاع التيار الكهربائي عن نحو ثلث المدينة، وفقًا لمقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد أوقفت وايمو عملياتها، ثم استأنفتها في اليوم التالي.

فيليب كوبمان: انقطاع الكهرباء عن أسطول وايمو هو مجرد إنذار تحذيري
فيليب كوبمان: انقطاع الكهرباء عن أسطول وايمو هو مجرد إنذار تحذيري

وقد جدد هذا الحادث الدعوات إلى فرض رقابة أكثر صرامة على هذه الصناعة الناشئة سريعة النمو، في ظل تسابق شركات أخرى، بما في ذلك تسلا وزوكس التابعة لأمازون، لتوسيع خدمات سيارات الأجرة ذاتية القيادة في عدة مدن.

وقال فيليب كوبمان، أستاذ هندسة الكمبيوتر وخبير تكنولوجيا القيادة الذاتية في جامعة كارنيغي ميلون، لرويترز “إذا كان رد الفعل على انقطاع الكهرباء خاطئًا، فإن الجهات التنظيمية تُقصّر في واجبها إذا لم تطالب بتقديم دليل على التعامل السليم مع سيناريو الزلزال”.

وفي بيان، أوضحت وايمو أن سياراتها ذاتية القيادة مصممة للتعامل مع إشارات المرور المعطلة كتقاطعات رباعية الاتجاهات، إلا أنها قد تطلب أحيانًا تأكيدًا.

وعلى الرغم من أن المركبات اجتازت بنجاح أكثر من 7 آلاف إشارة معطلة، إلا أن “انقطاع التيار تسبب في زيادة مفاجئة” في طلبات التأكيد، مما “أدى إلى تأخير في الاستجابة وزاد من الازدحام في الشوارع المكتظة أصلًا”، بحسب الشركة.

ويستخدم مشغلو سيارات الأجرة ذاتية القيادة حول العالم تقنية التحكم عن بُعد -المعروفة في هذا المجال باسم “التشغيل عن بُعد”- بدرجات متفاوتة لمراقبة المركبات والتحكم فيها.

وعلى سبيل المثال، لدى وايمو فريق من وكلاء الاستجابة البشرية الذين يجيبون على استفسارات برنامج وايمو درايفر، وهو برنامج آلي تابع لها، عند مواجهة أي مشكلة.

لكن هذه المساعدة عن بُعد لها حدودها، وقد أبرز عطل وايمو الحاجة إلى تنظيم كيفية استخدام مشغلي سيارات الأجرة ذاتية القيادة لهذه التقنية، كما صرّحت ميسي كامينغز، مديرة مركز جورج ماسون للاستقلالية والروبوتات.

وأضافت المستشارة السابقة لهيئة تنظيم السلامة المرورية الأميركية “يكمن الهدف الأساسي من العمليات عن بُعد في وجود العنصر البشري عند تعطل النظام بالشكل المطلوب”.

وتابعت في حديثها مع رويترز “يجب على الحكومة الفيدرالية تنظيم العمليات عن بُعد، والتأكد من وجود عمليات احتياطية في حال حدوث أي عطل كارثي”.

وقد صرّحت إدارة المركبات وهيئة المرافق العامة في كاليفورنيا، وهما الجهتان المسؤولتان عن تنظيم وإصدار تراخيص اختبار ونشر سيارات الأجرة ذاتية القيادة تجاريًا، بأنهما تُجريان تحقيقًا في الحادث.

وأعلنت إدارة المركبات الآلية أنها تجري محادثات مع وايمو وغيرها من الشركات المصنعة للمركبات ذاتية القيادة بشأن الإجراءات المتعلقة بالاستجابة للطوارئ. كما ذكرت أنها تعمل على وضع لوائح لضمان التزام السائقين عن بُعد بأعلى معايير السلامة والمساءلة والاستجابة.

ميسي كامينغز: عطل وايمو أبرز الحاجة إلى أهمية تنظيم المساعدة عن بعد
ميسي كامينغز: عطل وايمو أبرز الحاجة إلى أهمية تنظيم المساعدة عن بعد

وقد واجه نشر وتسويق المركبات ذاتية القيادة بالكامل صعوباتٍ أكبر من المتوقع، مع استثمارات ضخمة لضمان سلامة هذه التقنية، واحتجاجات شعبية واسعة النطاق بعد حوادث التصادم التي أجبرت العديد من الشركات على إغلاق أبوابها.

وبعد حادثةٍ بارزة عام 2023، عندما جرّت سيارة أجرة آلية تابعة لشركة كروز التابعة لجنرال موتورز أحد المشاة، سحبت الجهات التنظيمية ترخيصها، ما أدى في النهاية إلى توقف الشركة عن العمل.

لكن سيارات الأجرة الآلية عادت إلى الواجهة مع إطلاق شركة تسلا لخدمتها في أوستن، تكساس، مطلع عام 2025. ووعد الرئيس التنفيذي إيلون ماسك بتوسع سريع.

كما سارعت وايمو، التي نمت ببطء وثبات على مر السنوات منذ إطلاقها كمشروع غوغل للقيادة الذاتية عام 2009، في توسعها.

وبأسطول يضم أكثر من 2500 مركبة تعمل الشركة في منطقة خليج سان فرانسيسكو ولوس أنجلس وفينيكس الكبرى وأوستن وأتلانتا.

وأوضحت أن إجراءات التحقق التي تتبعها مركباتها قد وُضعت خلال المراحل الأولى من التشغيل، وأنها تعمل حاليًا على تحسينها لتتناسب مع حجم عملياتها الحالي.

وتُجري وايمو تحديثات شاملة على مستوى أسطولها لتزويد المركبات بمعلومات دقيقة حول انقطاع التيار الكهربائي، مما يسمح لها بالتنقل بثقة أكبر.

وقالت كامينغز وكوبمان إن “مشغلي سيارات الأجرة ذاتية القيادة سيخضعون لمتطلبات ترخيص إضافية بمجرد أن يتجاوز حجم أساطيلهم حدًا معينًا، لضمان امتلاكهم القدرات الكافية للتعامل مع الأعطال واسعة النطاق”. وأضاف كوبمان “لو كان هذا زلزالًا، لكانت مشكلة حقيقية. هذه مجرد إنذار تحذيري”.

وبحسب دراسة لوايمو على أكثر من 90 مليون كيلومتر، تقلل سياراتها من حوادث المشاة بنسبة 92 في المئة، وحوادث الاصطدام بنسبة 96 في المئة عند التقاطعات.

وسبق أن صرح الأستاذ في الهندسة لدى جامعة سان فرانسيسكو بيلي ريغز لفرانس براس بأن هذه المركبات “حتى عندما يستفزها البشر، تبقى هادئة. إنّها نسخ منّا محسّنة”.

ومن خلال جمع معلومات بشأن سلوك السائقين على الطريق، وتعديلات على الخوارزميات أجراها مهندسون، اعتمدت سيارات وايمو “ردود فعل مشابهة للبشر خلال القيادة،” وفق الباحث.

بأسطول يضم أكثر من 2500 مركبة تعمل الشركة في خليج سان فرانسيسكو ولوس أنجلس وفينيكس الكبرى وأوستن وأتلانتا
بأسطول يضم أكثر من 2500 مركبة تعمل الشركة في خليج سان فرانسيسكو ولوس أنجلس وفينيكس الكبرى وأوستن وأتلانتا

10