بي.بي.سي تشعل عاصفة جدل في لبنان بتحقيق عن مصير موسى الصدر

فيلم وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية يتداول قصة اختفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا.
الخميس 2025/09/04
الجدل مستمر

بيروت - أثار فيلم وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية جدلا واسعا في لبنان حيث تداول قصة اختفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا، ومحاولات صحافي استقصائي فك اللغز بصورة لجثة في مشرحة سرية كان قد زارها في مستشفى بطرابلس عام 2011.

ويروي التحقيق كيف تمكن الصحافي اللبناني – السويدي قاسم حمادة عام 2011، بُعيد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، من دخول مشرحة سرية في طرابلس الليبية، حيث صادف وجود 17 جثة يُعتقد أنها تعود لرجال أُعدموا قبل نحو ثلاثة عقود. ولفتت انتباهه من بين تلك الجثث، جثة طويلة القامة ذات ملامح قريبة من ملامح الإمام الصدر، الذي عُرف بطوله.

ويقول حمادة إن “ملامح الوجه ولونيْ البشرة والشعر أعادت إلى ذهنه صورة الصدر،” مضيفاً: “الجمجمة بدت وكأنها تعرضت لضربة قوية أو رصاصة فوق العين اليسرى، ما عزز الشكوك بأنها ضحية إعدام.”

وبحسب تقرير “بي.بي.سي”، فإن اختفاء الصدر ولَّد سيلاً لا ينضَب من نظريات المؤامرة. من الناس مَن يعتقد أنه قُتل، بينما يزعم آخرون أنه لا يزال حيّاً ومحتجزاً في مكان ما في ليبيا.

غير أن التقرير الحديث أعاد الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى استذكار مكانته ورمزيته ومواقفه الوطنية وبشكل خاص مناهضته للمشروع الإيراني في المنطقة، وقالت ناشطة:

@LiliesAura

في مثل هذا اليوم قبل 47 عامًا، غاب الإمام موسى الصدر عن الأنظار ولم يغب عن الضمائر.

ونقل ناشط أحد تصريحات الصدر عن الطبقة السياسية في عام 1975، وكتب:

@m_ee_9

الامام موسى الصدر: “انتم ايها السياسيون آفة لبنان وبلاؤه وانحرافه ومرضه وكل مصيبة، انكم الازمة، ارحلوا عن لبنان 1975”.

وكتب مغرد:

@Joe60451012

عندما قلت بذكرى تغييب الإمام موسى الصدر “خافوه فاُخفوه ” جاوبني أحدهم أين الدليل
الدليل:
مشروع الولي الفقيه لا يحتمل “إمام” ينادي بنهائية الكيان اللبناني
إنما يريدون “أمام” ينادي بالجمهورية الإسلامية في إيران

وجاء في تغريدة:

@JusticeEyesss

الإيرانيون كانوا حلفاء معمر القذافي وكان مواليا لثورتهم ولكي يظهر مشروعهم في لبنان وهو حزب الله لا بد من إخفائه وتعبئة مكانه فقاموا بالاتفاق مع معمر بإخفاء السيد موسى الصدر لتظهر بعدها خلايا حرسهم الثوري اللبناني ويبدأ بقتال ابناء حركة امل حركة الصدر بتكليف شرعي قتلوا ابناء جلدتهم.

وتحدث ناشطون عن الحملة التي استهدفت ابنة الإمام الصدر واتهامها بالعمالة بسبب انتقادها للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وتصريحها بأن له يدا في اختفاء والدها، وجاء في تعليق ساخر من الاتهامات:

@Nimr_Hs

#رباب_الصدر عميلة صهيونية امريكية بتقبض من السفارة الأميركية بعوكر وخارجة عن التشيّع، لانها صرحت بأن الخميني وخامنئي الهم ايد بإخفاء اخوها الامام #موسى_الصدر

ووفق التقرير الاستقصائي، تتأجج المشاعر لأن الصدر شخصية مُبجّلة عند أتباعه، سواء لسمعته السياسية كمدافع عن مسلمي لبنان الشيعة المهمَّشين آنذاك، أو بوصفه زعيماً دينياً في الإطار الأشمل.

ومنحه أتباعه لقب “إمام” وهو تكريم غير اعتيادي لرجل دين شيعي وهو على قيد الحياة، أُسبِغ عليه عرفاناً لعمله من أجل الطائفة الشيعيّة.

وأضاف اختفاءه الغامض إلى قوته المعنويّة لأنه يذكّر بمصير “الإمام الثاني عشر الغائب”، الذي يعتقد أكبر فروع الشيعة، المعروفون بـ”الاثني عشرية”، أنه لم يمت وسيعود في آخر الزمان ليُحِلَّ العدلَ في الأرض.

لقد بدَّل اختفاء الصدر ربما مصير أكثر مناطق العالم اضطراباً دينياً وسياسياً وعرقياً: الشرق الأوسط. فالبعض يعتقد أن رجل الدين الإيراني – اللبناني كان على وشك أن يستخدم نفوذه لدفع إيران وبالتالي المنطقة، نحو اتجاه أكثر اعتدالاً عندما اختفى على أعتاب الثورة الإيرانية.

لذلك، يتوقّف الكثير على جهود التعرف التي قامت بها جامعة برادفورد، فقد قال الصحافي الذي التقط الصورة إن الجثة طويلة القامة على نحو غير عادي، وكان الصدر معروفاً بطول القامة التي بلغت 1.98 متر (6 أقدام و5 بوصات). لكن الوجه بالكاد احتفظ بملامح تسمح بالتعرّف عليها.

لكن عائلة الصدر أكدت أن الجثة لا تعود له، قائلة إن هناك العديد من الاختلافات، وعلق ناشط:

@abaadnews_ly

بعد كشف BBC عن عمل جامعة “برادفورد” على مطابقة صورة جثة من مشرحة سرية في طرابلس مع صورة موسى الصدر بخوارزميات التعرف العميق على الوجه بنسبة تتجاوز 60%.. ابن الصدر يعلق: “الجثة ليست لوالدي، وهذا يتناقض مع المعلومات التي لدينا بعد تاريخ التقاط الصورة في 2011.”

وانعكست مكانة الصدر في اللقب الفخري “إمام” الذي أسبغه عليه أتباعه. وفي عام 1974 أطلق الصدر “حركة المحرومين”، كمنظمة اجتماعية وسياسية طالبت بالتمثيل النسبي للشيعة والتحرر الاجتماعي والاقتصادي للفقراء بقطع النظر عن انتماءاتهم الدينيّة. وكان مصمماً على تجنب الطائفية إلى حد أنه ألقى خُطباً حتى في الكنائس، غير أن هناك من رأى أن الصدر يؤخذ عليه ترسيخ الطائفية، وجاء في تعليق:

@hamzaalkamaly

لا شك أن موسى الصدر كان شخصية كاريزمية مؤثرة، وترك بصمة على واقع الطائفة الشيعية في لبنان. لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أنه ساهم عن قصد أو غير قصد في ترسيخ منطق الطائفية وتأسيس إطار ميليشياوي تحت شعار المقاومة. لبنان ما زال حتى اليوم يدفع ثمن هذا النهج الذي بدأ معه وتعمّق لاحقاً مع غيره من القوى. قد يكون خطابه معتدلاً من حيث الشكل، لكن الممارسة السياسية التي رسّخها كانت محمّلة بتداعيات لا تزال حاضرة في المشهد اللبناني

وفي 25 أغسطس 1978، سافر الصدر إلى ليبيا بدعوة من زعيمها آنذاك العقيد معمر القذافي.

وقبل ذلك بثلاث سنوات، اندلعت في لبنان حرب أهلية. شارك المقاتلون الفلسطينيون في النزاع الطائفي، خصوصاً أن كثيرين منهم كانوا يتمركزون في جنوب لبنان حيث يقطن معظم أتباع الصدر. وبدأ الفلسطينيون يتبادلون النيران مع إسرائيل عبر الحدود، فأراد الصدر من القذافي الذي كان يدعم الفلسطينيين، أن يتدخل لحماية المدنيين اللبنانيين.

وفي 31 أغسطس، وبعد انتظارٍ دامَ ستة أيام للقاء القذافي، شوهد الصدر وهو يُقاد بعيداً عن فندق في طرابلس في سيارة حكومية ليبية. واختفى أثره بعد ذلك. ثم زعمت أجهزة أمن القذافي لاحقاً أنه غادر إلى روما، لكن التحقيقات أثبتت زيف ذلك.

ولم يكن ممكناً وجود صحافة مستقلة في ليبيا زمن القذافي، لكن في 2011، حين ثار الليبيون ضده أثناء الربيع العربي، فُتحت كوّة صغيرة لتبيان الحقيقة، وتم أخذ الصورة، التي التقطها قاسم في المشرحة، إلى فريق في جامعة برادفورد كان يطور منذ 20 عاماً خوارزمية فريدة تُدعى “التعرف العميق على الوجه”، وهي تميّز أوجه تشابه معقدة بين الصور، وأُثبت أنها موثوقة للغاية في الاختبارات حتى على الصور غير المثالية.

تقرير بي.بي.سي أعاد الناشطين على مواقع التواصل إلى استذكار مواقف موسى الصدر ومناهضته للمشروع الإيراني

وافق البروفيسور أوغيل، الذي يقود الفريق، على مقارنة صورة المشرحة بأربع صور للصدر في مراحل مختلفة من حياته، ثم تمنح البرمجية صورة المشرحة تقييماً عاماً على 100، وكلما ارتفع الرقم زادت احتمالية أن يكون الشخص هو نفسه، أو أحد أقاربه.

وإذا جاءت النتيجة دون الخمسين يُرجّح أن يكون الشخص غير ذي صلة بالصدر. أما بين 60 و70 نقطة يعني أنه هو أو قريب له. أمّا إذا بلغت 70 نقطة أو أكثر فهذا يُعتبر تطابقاً مباشراً.

الصورة حصلت على نتيجة في الستينات – “احتمال مرتفع” – أن تكون للصدر، بحسب ما قال البروفيسور أوغيل.

وللتأكد من النتيجة، استخدم الأستاذ الخوارزميّة ذاتها لمقارنة الصورة مع ستة من أفراد عائلة الصدر، ثم مع 100 صورة عشوائية لرجال من الشرق الأوسط على درجات متفاوتة من الشّبه به.

حصلت صور العائلة على نتائج أفضل بكثير من الصور العشوائية، لكن أفضل نتيجة بقيت المقارنة بين صورة المشرحة وصور الصدر في حياته.

وأظهرت النتيجة أن هناك احتمالاً قوياً أن قاسم قد رأى جثة الصدر. والحقيقة أن الجمجمة وُجدت متضررة، ما يوحي، على الأرجح، بأن الصدر قُتل.

5