بينالي البندقية يصغي لذاكرة الإمارات في "وشوشة"
يسلط المعرض الضوء على التحولات الصوتية في دولة الإمارات، كاشفا عن تداخل الذاكرة الفردية والجماعية عبر أعمال فنانين يعيدون صياغة العلاقة بين المكان والهوية والهجرة، في سياق يبرز دور الفن المعاصر في توثيق التجربة الإنسانية وتوسيع آفاق الاستماع والتأمل الثقافي بشكل معاصر وعالمي متجدد.
أبوظبي ـ يشكّل معرض “وشوشة الذي ينظمه جناح الإمارات محطةً فنيةً جديدة ضمن مشاركته في الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية للفنون 2026، والتي تُقام في الفترة الممتدة من 9 مايو إلى 22 نوفمبر 2026، مع افتتاح خاص في 6 و7 و8 مايو.
ويأتي هذا المشروع ليعزز حضور الإمارات في أحد أهم الملتقيات الفنية العالمية، من خلال مقاربة بحثية تُعيد التفكير في مفهوم الصوت بوصفه وسيطا ثقافيا واجتماعيا وتاريخيا، يتجاوز كونه مجرد عنصر سمعي ليصبح بنيةً حاملة للذاكرة والتجربة والهوية.
يقوم على التقييم الفني للمعرض كل من القيّمة الفنية بانة قَطّان، مساعدة رئيس قسم المعارض في مشروع متحف غوغنهايم أبوظبي، بالتعاون مع القيّمة الفنية المساعدة تالا نصّار. ويعتمد على رؤية تعتبر الفنان محور العملية البحثية، بحيث لا يقتصر دوره على الإنتاج الجمالي، بل يمتد ليشمل إنتاج الأسئلة وإعادة تفكيك المفاهيم المرتبطة بالذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية المتسارعة. ومن هنا، يتحول المعرض إلى مساحة اختبار مفتوحة تتقاطع فيها التجربة الفنية مع البحث النظري والممارسة الميدانية.
يجمع “وشوشة” أعمال ستة فنانين هم: آلاء إدريس، ميس البيك، جواد المالحي، فرح القاسمي، لمياء قرقاش، وتاوس ماخاتشيفا. وتتنوع ممارساتهم بين التصوير الفوتوغرافي والفن البصري والأداء والتركيب الفني، ما يتيح بناء مشهد متعدد الطبقات للفضاءات الصوتية في دولة الإمارات. هذه الأعمال لا تتعامل مع الصوت بوصفه مادة سمعية فقط، بل بوصفه أثرا اجتماعيا وثقافيا يتشكل عبر الزمن، ويتأثر بالتحولات السريعة في البنية الحضرية والاقتصادية والتكنولوجية.
يحمل عنوان المعرض “وشوشة” دلالة مفاهيمية دقيقة، إذ يحيل إلى الصوت الخافت الذي يقع على حافة الإدراك السمعي، وكأنه دعوة إلى الانصات إلى ما لا يُقال بشكل مباشر. ومن هذا المنطلق، ينفتح المعرض على أسئلة تتعلق بالحركة والتنقل والتكنولوجيا، وعلى العلاقة بين التاريخ الشفهي والوسائط الحديثة، إضافة إلى التداخل العميق بين اللغة والجسد والهوية. كما يطرح تساؤلات حول كيفية حفظ الذاكرة في ظل التحولات السريعة التي تعيد تشكيل أنماط التواصل الإنساني.
ويعكس المعرض في جوهره طبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية في دولة الإمارات، حيث يُعد الصوت إحدى أهم أدوات التعبير الجماعي والتوثيق الثقافي. فمن الحكايات الشفوية وحلقات الشعر التقليدية إلى وسائل الإعلام الحديثة والبث الرقمي، يتشكل الصوت كمسار ممتد يعبر الأجيال ويعيد إنتاج الذاكرة الجمعية. ومن خلال هذا الامتداد، يضع “وشوشة” الممارسات الفنية المعاصرة في سياق تاريخي أوسع، يقوم على التبادل والتواصل والتحول المستمر.
كما يتناول المعرض تأثير التحولات البنيوية في الدولة على طرق الاستماع والإصغاء، سواء كانت هذه التحولات معمارية أو تكنولوجية أو اجتماعية. فالصوت لا يُفهم هنا بوصفه ظاهرة فيزيائية فحسب، بل كأداة لقراءة التغيرات في البيئة الحضرية، وفي أنماط العيش والتفاعل الإنساني. وهذا الطرح يعكس رؤية تعتبر الإمارات فضاءً ديناميكياً تشكل عبر مسارات الهجرة والتنقل والتواصل، وليس كيانا ثابتا أو مغلقا على سردية واحدة.
في هذا الإطار، تؤكد القيّمة الفنية بانة قَطّان أن “وشوشة” يمثل تجربة يقودها الفنانون أنفسهم، حيث يساهم كل فنان في بناء طبقة مختلفة من المعنى، ما يخلق تعددية في السرديات وتداخلاً في الأصوات والرؤى. أما تالا نصّار فتعمل على تعزيز البعد البحثي للمشروع من خلال ربط الممارسات الفنية بأسئلة نظرية تتعلق بالزمن والذاكرة والتاريخ غير الملموس، بما يمنح المعرض عمقا فكريا يتجاوز العرض البصري التقليدي.
من جانبها، تشير مديرة الجناح الوطني ليلى بن بريك إلى أن المعرض يعكس التزام الجناح المستمر برعاية المواهب الفنية وربطها بالتراث الثقافي لدولة الإمارات، مؤكدة أن تنوع الأجيال المشاركة يخلق حوارا خصبا بين الخبرات المختلفة والرؤى المتعددة. كما توضح أن بعض الفنانين المشاركين سبق أن انخرطوا في برامج تدريبية تابعة للجناح، وهو ما يعكس استمرارية الاستثمار في بناء قدرات فنية محلية قادرة على الحضور عالميا.
وتبرز أهمية هذا المشروع أيضا في كونه يترافق مع إصدار منشور بحثي يضم مقالات وحوارات حول مفهوم الصوت من زوايا تاريخية ونظرية وشخصية، ما يحول المعرض إلى منصة معرفية متعددة الأبعاد، تجمع بين الفن والبحث والتفكير النقدي. وبذلك، لا يقتصر “وشوشة” على كونه عرضا فنيا، بل يتحول إلى فضاء للنقاش وإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان وصوته وذاكرته.
وفي المحصلة، يرسّخ معرض “وشوشة” مكانة الجناح الوطني لدولة الإمارات كفاعل ثقافي دولي يسهم في إثراء الحوار الفني العالمي، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول معنى الاستماع في عالم سريع التحول. كما يفتح المجال أمام إعادة تصور الصوت ليس فقط كوسيلة للتواصل، بل كأداة لفهم الذات والآخر، ولإعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومحيطه في سياق معاصر يتسم بالتغير المستمر والتداخل الثقافي العميق.