برنامج "60 دقيقة" بحلة جديدة كليّا
واشنطن – في تحول يُعد الأكبر من نوعه لبرنامج "60 دقيقة" الشهير منذ عقود، عيّنت شبكة “سي.بي.إس” الصحفي السابق في “نيويورك تايمز” نيك بيلتون منتجا تنفيذيا جديدا للبرنامج، في إطار عملية إعادة هيكلة جذرية تشمل تغييرات في القيادة وأسلوب السرد وتوسعا رقميا كبيرا.
وقال بيلتون، الذي سبق له إنتاج أفلام وثائقية لـ”إتش.بي.أو” ونتفليكس حول مواضيع مثل العملات المشفرة ووسائل التواصل الاجتماعي، في مقابلة هاتفية قصيرة “مهمتي ستكون إعادة التفكير في كيفية رواية القصص بطريقة جديدة كليا”. وأضاف بثقة “ليس هناك أي قدر من الترهيب في الأمر”.
ويأتي تعيين بيلتون عقب إقالة عدد من المنتجين التنفيذيين المخضرمين في البرنامج، وهو ما يعكس رغبة الرئيس التنفيذي لشركة “باراماونت” ديفيد إليسون ورئيسة التحرير باري فايس في إحداث تغيير جذري وشامل في “سي.بي.إس نيوز”. ويبدو أن إليسون مستعد لتحمل انخفاض نسب المشاهدة على المدى المتوسط لصالح رؤية جديدة تهدف إلى خدمة “الوسط الأميركي الواسع والمراوغ”.
المنتج الجديد يخطط للتركيز على سرد قصصي ديناميكي يجمع بين التحقيقات العميقة والعناصر البصرية الحديثة
وأوضح بيلتون أنه يدرك جيدا صيغة البرنامج التقليدية، مشيرا إلى أن فكرة دون هيويت المؤسس الأصلي لـ”60 دقيقة” كانت إنتاج أفلام وثائقية قصيرة، لأنه “لا يملك الصبر لمشاهدة نسخ طويلة مدتها ساعة أو ساعتين”. وقال “لقد أمضيت خمسة وعشرين عاما ونصف العام في الإدمان على رواية القصص بكل الصيغ الممكنة، سواء الكتب أو الويب أو المجلات أو الأفلام الوثائقية أو السينما أو التلفزيون”.
وتنوي القيادة الجديدة توسيع نطاق البرنامج ليشمل أنواعا جديدة من القصص، مع تعزيز الحضور الرقمي بشكل كبير. وقال بيلتون إن “60 دقيقة” مؤسسة “رائعة وغير مستغلة بالقدر الكافي”، ويخطط لتحويلها إلى عملية “دائمة التشغيل” تنشر تحقيقات ومحتوى مدفوعا بالمراسلين عبر الإنترنت، متجاوزا الحلقة الأسبوعية التي تبث يوم الأحد لمدة ساعة واحدة.
وأضاف “الأمر يشبه ما فعلته ‘نيويورك تايمز’ بنشرها يوميا في الطباعة، أو ‘فانيتي فير’ التي تصدر أسبوعيا. المؤسسات التي تفشل تاريخيا هي تلك التي لا تبتكر ولا تعيد ابتكار نفسها. أعتقد أن هذا هو وضع التلفزيون الإذاعي حاليا، وهذه أكثر الفرص إثارة؛ توسيع البرنامج إلى ما هو أبعد من ساعة أسبوعيا”.
وفي مذكرة إلى الموظفين أكدت باري فايس أن التغييرات في القيادة تعبر عن رغبة الشبكة في “هز” البرنامج. وقالت “الواقع الذي يواجه الصحافة في عام 2026 ليس سهلاً. المعلومات مجزأة، والخوارزميات تكافئ الغضب، وتنتشر المعلومات المضللة المولدة بالذكاء الاصطناعي، والجمهور مثقل وفقد الثقة في الإعلام التقليدي. هذا الواقع يجعل مهمة ’60 دقيقة’ أكثر أهمية من أي وقت مضى”.
ويحظى المشروع بدعم كامل من إليسون. وقال بيلتون إنه يعجب بطريقة تفكير إليسون التقنية، حيث يشارك التقنيات بين الأقسام والشركات، على غرار ما يفعله إيلون ماسك بين شركاته. وأشار إلى أن شركات الإعلام التقليدية لا تفكر بهذه الطريقة، واصفا ما يقوم به إليسون بأنه “مثير ومبتكر”.
التحول يثير قلقا بين بعض المراسلين المخضرمين، الذين يتساءلون عن مستقبلهم في ظل هذه التغييرات الجذرية
ويُعد “60 دقيقة” أحد أنجح البرامج في تاريخ التلفزيون الأميركي، وقد حافظ على صدارة البرامج الإخبارية لعقود، لكنه يواجه تراجعا في نسب المشاهدة مع تحول الجمهور نحو المنصات الرقمية والتدفقية. وشهدت الفترة الأخيرة مغادرة بعض المراسلين البارزين، وسط توترات داخلية مرتبطة بالتغييرات التحريرية والتوجه السياسي للشبكة تحت قيادة فايس.
ومن بين النقاط المثيرة للجدل إقالة مراسلين مثل سيسيليا فيغا، الذين كانوا يدافعون أحيانا عن خط تحريري مختلف. كما أثارت بعض القرارات التحريرية، مثل تأخير تحقيقات أو التركيز على محتوى يُنظر إليه على أنه أكثر توازنا أو ميلاً نحو الوسط، انتقادات من داخل الشبكة وخارجها.
ويخطط بيلتون، الذي لم يكن ينوي العودة إلى الصحافة اليومية، للتركيز على سرد قصصي ديناميكي يجمع بين التحقيقات العميقة والعناصر البصرية الحديثة.
ويثير التحول قلقا بين بعض المراسلين المخضرمين، الذين يتساءلون عن مستقبلهم في ظل هذه التغييرات الجذرية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن مثل هذه التجديدات ضرورية لبقاء البرامج التلفزيونية التقليدية في عصر المنصات الرقمية.
ومن المتوقع أن يبدأ الموسم الجديد (الموسم 59) في الخريف المقبل، مع أستوديو محدث وهيكلية عرضية أكثر مرونة، وربما حلقات تركز على قصة أو قصتين رئيسيتين مع محتوى إضافي رقمي غني.
يأتي هذا التجديد في وقت تشهد فيه وسائل الإعلام التقليدية منافسة شرسة، حيث تسعى الشبكات الكبرى إلى إعادة اختراع نفسها لاستعادة الثقة والجمهور في عصر السرعة والتجزئة الإعلامية.