المحروقات تشعل الشارع والسوشيال ميديا في سوريا
دمشق- اندلعت موجة غضب شعبي واسعة في عدة محافظات سورية منذ مساء السبت 12 سبتمبر 2026، بعد إعلان وزارة الطاقة رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب وصلت إلى 40%.
وتحولت الزيادة إلى شرارة أشعلت الشارع والفضاء الرقمي معاً، حيث خرج محتجون يقطعون الطرق الرئيسية ويشعلون الإطارات، بينما امتلأت منصات التواصل بتعليقات غاضبة وهتافات تطالب بإقالة الوزير المعني.
جاء القرار بموجب نشرة جديدة أصدرتها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، ودخلت حيز التنفيذ فجر الأحد. وارتفع سعر لتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية، وسعر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة، وأوكتان 90 من نحو 142-147 إلى 185 ليرة. كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1600 ليرة.
وصف المسؤولون الزيادة بـ"المؤقتة"، لكن المواطنين رأوا فيها ضربة مباشرة لقدرتهم الشرائية المتآكلة أصلاً.
وبررت وزارة الطاقة الخطوة بارتفاع استثنائي في تكاليف تأمين البنزين والمازوت والفيول من الأسواق العالمية، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عَمْرةفنية شاملة تستمر نحو شهرين. وأوضحت أن الإنتاج المحلي من النفط الخام يبلغ نحو 100-102 ألف برميل يومياً، بينما تحتاج البلاد إلى ما بين 300 و325 ألف برميل يومياً، ما يعني الاعتماد على الاستيراد بنسبة كبيرة تصل إلى 60% أو أكثر من بعض المشتقات. وأشار المسؤولون إلى أن الأسعار العالمية للمازوت تقترب من 1400 دولار للطن، مع تأثر إضافي بالتوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
لكن التصريحات لم تهدأ الشارع. شهدت محافظات إدلب وحماة وحلب والرقة ودير الزور والحسكة ودرعا وريف دمشق احتجاجات متفرقة. في معرة النعمان بريف إدلب قطع محتجون طريق دمشق-حلب الدولي (M5) لساعات، وأشعلوا إطارات. في تل تمر والحسكة أغلق طريق M4، مما أوقف حركة مئات صهاريج النفط. وفي مناطق شرقي سوريا ودير الزور والرقة خرجت تجمعات تردد شعارات مثل "الشعب يريد إسقاط الوزير"، في إشارة إلى وزير الطاقة محمد البشير. استمرت بعض الإغلاقات لليوم الثاني، مع تقارير عن مواجهات محدودة.
انتقل الغضب بسرعة إلى السوشيال ميديا. انتشرت فيديوهات الاحتجاجات وصور الإطارات المشتعلة على نطاق واسع، وتحولت المنصات إلى ساحة نقاش حاد. كتب مستخدمون يصفون الزيادة بـ"القشة التي قصمت ظهر البعير"، مشيرين إلى تراكم الضغوط المعيشية.
ووثقت حسابات اتساع الاحتجاجات إلى عدة مناطق مع قطع طرق رئيسية. وجاء في حساب:
كما انتشرت تغريدات تعبر عن آراء الأهالي في دمشق وتقارن الوضع بمخاوف من ارتفاع أسعار السلع والنقل. يرى بعض المغردين أن القرار يعكس صعوبات هيكلية في الاقتصاد، بينما يطالب آخرون بمراجعة فورية أو زيادة الأجور لتعويض المواطنين.
وقال معلق:
يحمل القرار أبعاداً اقتصادية أعمق. يعتمد جزء كبير من النشاط الزراعي والصناعي والنقل على المازوت، وارتفاعه ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج وأسعار الغذاء والمواصلات.
وحذر خبراء من تفاقم التضخم وتراجع القدرة الشرائية لملايين السوريين الذين يعانون أصلاً من آثار سنوات الصراع الطويل. في الوقت نفسه، أكدت الحكومة عدم المساس بدعم الخبز، بل زادت نسبته مؤقتاً عبر خفض سعر الدقيق، في محاولة لاحتواء جزء من الغضب.
يأتي الحدث في سياق أوسع يتعلق بإعادة بناء الاقتصاد السوري. تسعى السلطات إلى تقليص الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الطاقة التكريرية، إذ يتوقع أن ترفع عمرة مصفاة بانياس طاقتها الإنتاجية لاحقاً. لكن الفجوة الحالية بين الإنتاج والاستهلاك، إلى جانب التقلبات العالمية والتوترات الإقليمية، تجعل أي تعديل سعري حساساً للغاية.
ويرى مراقبون أن الشفافية في شرح الأسباب وتوفير بدائل مؤقتة (مثل دعم قطاعي النقل والزراعة) قد يخفف من حدة الاحتقان، بينما الإصرار على أن "لا خيار ثالث" بين الرفع أو النقص قد يغذي المزيد من الاحتجاجات.استمرت التحركات لليوم الثاني في بعض المناطق الشرقية، مع دعوات لإضرابات في قطاع النقل. ودُعي وزير الطاقة إلى جلسة استماع في مجلس الشعب لتوضيح القرار.
في المقابل، أكدت الوزارة أن الأسعار قابلة للمراجعة صعوداً أو هبوطاً حسب التكاليف، وأن الهدف ضمان توفر المادة في السوق لا قطعها.
يُظهر المشهد أن المحروقات لم تعد مجرد سلعة، بل باتت مؤشراً حساساً على ثقة الشارع في إدارة الملف الاقتصادي. الشارع خرج يطالب بتخفيف العبء، والسوشيال ميديا حولت الغضب الفردي إلى صوت جماعي مرئي. سواء انتهت الاحتجاجات سريعاً أم امتدت، فإن الرسالة واضحة: أي زيادة جديدة في أسعار الوقود تحتاج إلى موازنة دقيقة بين الضرورات المالية والقدرة الاجتماعية على التحمل، وإلا فإن الشارع والمنصات الرقمية سيبقيان مشتعلين.